المعاهدة بين تونس والجزائر : الباهي الادغم

جانفي 1970

المعاهدة بين تونس والجزائر خطاب الباهي الادغم

 

…الذي يثير الانتباه يتمثل في فض مشكلة الحدود الفاصلة بين تونس والجزائر.

…إن المستعمر اعتنى قبل انسحابه بتسوية جميع المشاكل ما عدا مشكلة الحدود فقد تركها سواء عن قصد أو عن غير قصد قائمة الذات.

…إن الحدود لم تكن واضحة بالرغم عن الخرائط الجغرافية والاتفاقيات التي تجاوزتها الأحداث على مر السنين وقامت مقام الوضع القديم المصالح وما إلى ذلك من عوامل تعجز الحدود المصطنعة عن إيقافها والتصدي لها فهناك تعاون بشري متبادل ومجموعات بشرية تنتمي إلى لغة أو ديانة موحدة.

فمن البديهي أن تغار هذه مجموعات بشرية تنتمي حدودها وما تعتبره حقوقها المكتسبة وسلامتها الترابية وحرمة حوزتها.

ومن وجهة نظرنا للجزائر وجهة نظرها وقد اتخذ كل منا موقفه من مشكل الحدود.

وكانت لنا في هذا الموضوع مواقف تستجيب لحقوقنا أملاها علينا واجبنا غير أننا نستطيع أن نقول، أننا اتخذنا هذا الموقف في نطاق العلاقات التي بيننا وبين المحتل فطالبنا باسترجاع جانب من الصحراء راجع بالنظر إلى تونس، باعتبار انه تم جلاء الجيوش الفرنسية عن تونس باستثناء بعض المناطق في الجنوب التونسي وبنزرت، وعندما توجهنا إلى الأمم المتحدة طالبنا بجلاء الجيوش الفرنسية عن بنزرت وعن المنطقة الصحراوية بالجنوب التونسي.

وانتم تعلمون طبعا أن هذا الموقف قد تجاوزته الأحداث، أولا لأنه تم الجلاء عن بنزرت وعن كل المراكز العسكرية بالجنوب الراجعة إلى تونس، غير انه بقيت قطعة بسيطة جدا مضبوطة الحدود بيننا وبين ليبيا، أما بيننا وبين الجزائر فهي غير مضبوطة وليس هناك خط واضح يفصل فيما بين التراب التونسي والتراب الجزائري.

وكان دخول جيش التحرير إليها عن حسن نية، بينما نعتبرها نحن في تونس مراكز عسكرية فرنسية منتصبة فوق أرض تونسية.

ولئن بقيت هذه المشكلة قائمة الذات فلأننا نعتبر إن هناك حقوقا مضبوطة بمعاهدات لا يمكن لنا التنازل عنها على ان هذا الضبط في الحقوق لم يقع بغاية الوضوح لا فيما يتعلق بالحدود الفاصلة بيننا وبين ليبيا أما فيما يتعلق بالحدود التونسية الجزائرية فالمسألة كانت تحتاج إلى تفاوض واتفاق مع السلطة الجزائرية.

ولئن كنا توخينا طريق المطالبة بحقوقنا في الجنوب التونسي فلان هناك تضحيات من الجانب التونسي ودماء تونسية قد أريقت لأننا عندما دخلنا معركة الجلاء اقتحمنا المعمعة على أساس الجلاء عن بنزرت وعن أقصى الجنوب التونسي.

وغنى عن البيان أن المسألة ليست شكلية بل هي جوهرية وليست عبارة عن اخذ وعطاء ومساومات بل هي ابعد من هذا وأسمى.

 لقد قلنا هذا وأكدناه من أول يوم وأعلنا بان هذه العملية سيكون لها أثرها البعيد، وأشار الأخ عبد العزيز بوتفليقة البارحة في الكلمة التي ألقاها إلى أن ما وفقنا إليه سيكون بمثابة سابقة يرجع إليها ويعتمد عليها إذ هي ترتكز على تغليب العقل على العاطفة وإيثار المصلحة الشاملة وإلا بعد من غيرها على المصالح الجزئية والاعتبارات الثانوية وتقديم الأهم على المهم.

واننا نفضل صيغة هذا الاتفاق الذي ابرم بيننا على بعض الصيغ الأخرى الممكنة في تقسيم الرقعة الترابية المختلف بشأنها على نصفين يعود كل منهما إلى بلاد وتعرض بعده كل دولة عن الأخرى أما الاتفاق الحالي فهو أصيل إذ سار بفضله الوئام بين شعبينا.

وذلك انه لا ريب في أن اتفاقات البترول والغاز الطبيعي والتبادل التجاري والتعاون الصناعي، والتحويلات المالية، والممتلكات وسياسة الاستيطان، وغيرها من الاتفاقات الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، لسوف تدخل  تغييرا جذريا على الجهد الاقتصادي في البلدين، بفضل ما تضمن لهما من فرص التكامل، والتعاون والتنسيق.

وانتم، يا أخي العزيز، كان لكم شرف السهر على مختلف مراحل الإعداد لتجسيد هذا الانجاز العظيم، فكفاكم جزاء ما حققناه اليوم لخير شعبينا، مغربنا الكبير، وامتنا العربية.

واذا ادعو الله ان ينعم على فخامته بالشفاء العاجل، ليستأنف كفاحه من اجل خير هذا القطر العزيز، اني لعلي ثقة من ان زيارته لبلاد الجزائر ستمكنه من  ان يلمس عن كثب ما يتمتع به من حب وتقدير.

Comments are closed.