بيان بورقيبة إلى مؤتمر القمة بالدار البيضاء سبتمبر 1965

البيان الذي وجهه الرئيس الحبيب بورقيبة إلى مؤتمر القمة العربي الثالث

الدار البيضاء : 13/9/1965

 

بسم الله الرحمان الرحيم

 

يسعدني أن أتوجه بالشكر و التقدير إلى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، لما بذله من مساع أخوية لحملنا على حضور ندوة الملوك و الرؤساء العرب بالدار البيضاء.

و أنه إذ يؤسفني أن يتعذر علي النزول عند رغبته الكريمة أرجوا أن يتقبل عذري و أن يبلغ الشعب المغربي الشقيق عبارات التحية الخالصة.

و أرجو كذلك أن يتفضل أخواني الأعزاء أصحاب الجلالة و الفخامة ممن تربطنا بهم أواصر الصداقة و الصفاء بتفهم الأسباب التي من أجلها قرونا عدم المشاركة في ندوتهم هذه، رغم ما لها في نظرنا من بالغ الأهمية، و ما تثير في أنفسنا من ذكريات تعود إلى عهد كانت فيه شعوب المغرب مقطوعة عن شعوب المشرق، و ما تبعث فينا من مشاعر الاعتزاز  بالتئام الشمل، بعدما قيض الله لشعوبنا من نصر و حرية.

و نظرا إلى أ،ا نود قبل كل شيء اجتناب ما قد يزيد في حدة التوتر، فضلنا أ، نوجه إلى المجلس هذا البيان، لعله يكون مساهمة في توضيح الخلافات القائمة بين عدد من الدول الأعضاء و يعين على تلافي الوضع المؤسف الذي آلت إليه العلاقات العربية في الظرف الراهن.

و بعد لما انعقد الاجتماع الأول للملوك و الرؤساء العرب في جانفي سنة 1964 في القاهرة، كنا نعتقد جميعا أن من أهم نتائج هذا التلاقي تصفية الجو بين الدول العربية وتركيز العلاقات بينها على أسس جديدة، قوامها التعاون و الإخلاص و الجد.

و كنت من الذين بادروا إلى الابتهاج بعهد تطوى فيه صفحات الماضي بما فيها من خلافات و أحقاد، و تبنى دعائم التضامن الدائم، الذي لا يقوم إلا على التصافي و التشاور، في كنف المصلحة المشتركة.

و أذكر أني ختمت خطابي إذ ذاك بهذا التمني : و أن لا يكون هذا الصفاء هدنة مؤقتة بين الدول الشقيقة، بل سلما حقيقة دائمة تؤذن بعهد جديد، يسود فيه الإخاء و الاحترام المتبادل والتعاون المفيد.

و الآن، و نحن نفتتح أشغال اجتماعنا الثالث بعد مدة تناهز السنتين يجدر بنا أن نتساءل عن الخطى التي خطوناها في هذا الاتجاه، و يجدر بنا أن نتبين بالضبط أين نحن من أهدافنا التي اتفقنا عليها، سواء في المجال العربي العام، أو في خصوص القضية التي من أجلها اجتمعنا أول مرة.

قضية فلسطين في مؤتمرات القمة العربية

نذكر جميعا أن السبب الذي دعانا إلى عقد ندوة جانفي 1964 أنما هو تأهب اسرائيل لإحياء صحراء النقب، بتحويل المياه العربية، و الاستئثار بها، لتدعيم كيانها البشري والاقتصادي. و كنا مجمعين على وجوب الحيلولة دون تنفيذ هذا المأرب.

غير أنه سرعان ما اتفقنا، في أولى جلساتنا إذ ذاك، أن مشكل مياه الأردن، على خطورته وجدارته بالاهتمام في حد ذاته، مشكل فرعي، و أن القضية الرئيسية إنما تتعلق بتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني.

على هذا الأساس تقرر (اعتبار أن قيام اسرائيل هو الخطر الأساسي…) و تقرر لذلك أنه (على الدول العربية أن تضع الخطط اللازمة لمعالجة الجوانب السياسية و الاقتصادية والاعلامية، حتى إذا ما لم تحقق النتائج المطلوبة، كان الاستعداد العسكري، هو الوسيلة الأخيرة العملية للقضاء على اسرائيل نهائيا).

هذه فحوى المقررا التي وقع الاتفاق عليها في ندوة القاهرة. و لم يزدها اجتماع الاسكندرية إلا توضيحا، إذ وقع التنصيص على أن الخطة العربية تستهدف أمرين: هدفا عاجلا وهو تنفيذ عدة مقررات، (وفي مقدمتها المشروعات العربية لاستثمار مياه نهر الأردن و ورافده)، وهدفا نهائيا وهو تحرير فلسطين.

أما الهدف العاجل فقد تشكلت لبلوغه هيئات فنية و عسكرية انهمكت في دراسات ومناقشات مع البلدان التي يهمها الأمر مباشرة. و طال بها الأخذ و الرد حتى انغمست أشغالها في الجزئيات و التفاصيل، بينما تمكنت اسرائيل من الشروع في تنفيذ برامجها، الرامية إلى الاستفادة من المياه العربية.

أما الهدف النهائي فبقدر ما أكدت ندوتا القاهرة و الاسكندرية عزم الملوك و الرؤساء على العمل في سبيل تحقيقه، بقدر ما أشارت المقررات المتفق عليها إلى أن هذا العمل لا بد أن تكون له جوانب سياسية و اقتصادية و عسكرية و لا بد أن يكون طويل المدى.

و كان الاعتقاد السائد في عامة الوفود، أن تحرير فلسطين لن يتأتى بصورة عاجلة، و أنه صراع ينبغي  أن تتضافر فيه الطاقات السياسية و العسكرية.

لذلك تقرر إنشاء منظمة كفاحية شعبية تتكفل بتنظيم الطاقات الفلسطينية بالذات لتمكينها من القيام بدورها في تحرير أرض الوطن، بينما تقوم الدول الأعضاء في الجامعة بحملة سياسية واسعة النطاق في العواصم الأجنبية، للدعوة لقضية فلسطين، و شرح جوانبها السياسية والإنسانية، و كسب الأنصار لها في العالم

و صادقت تونس على هذه المقررات، بما فيها احتمال الحرب، و تعهدت بالمساهمة فيها، بما تسمح لها به إمكانياتها.

و مادام احتمال حرب تشنها كافة الدول العربية على اسرائيل في العاجل مستبعدا، لعدم تأهبها لذلك و اعتبارا للظروف العالمية الراهنة، و هذا ما يقره أغلب الأعضاء، فإن المرحلة الأولى التي كان علينا أن نواجهها هي مرحلة سياسية، و كان الهدف الرئيسي من هذه المعركة عزل العدو لدى الرأي العام العالمي، وكسب عطف الدول غير الموالية لاسرائيل، ومضايقة الكيان الصهيوني، ي الداخل بأعمال التخريب و حرب العصابات وفي الخارج بتنظيم حملة دعائية تشترك فيها أجهزة الإعلام و وزارات الخارجية.

و لما كان من واجب تونس أن تقدم مشاركة إيجابية في هذا الصدد، أخذنا المسألة على أنها مسألة جد تفرض علينا الاضطلاع المباشر بما تعهدنا به من مسؤوليات، لا في التنفيذ فحسب بل أيضا في تدعيم الخطة بما تحتاج إليه في الميدان الدولي.

و رأينا أن أنجع وسيلة لكسب المناصرة الإيجابية أن نستند إلى مقررات كانت صدرت عن هيأة الأمم المتحدة، و لم تطبق بسبب المعارضة الاسرائيلية.

و كانت خطتنا تستهدف أحد أمرين:

« أما أن ترضخ اسرائيل لمقررات المنظمة الدولية وهو الأبعد فتسمح برجوع اللاجئين، وتتنازل عن قسم من الأرض المحتلة، فتتغير بذلك معطيات المشكل لصالح العرب، وذلك بقيام دولة فلسطينية حرة تكون هي قاعدة الانطلاق للمعارك القادمة من أجل الحل النهائي.

و أما وهو الأقرب أن تصر اسرائيل على الرفض، فيضعف موقفها في المجال الدولي بتضاؤل عدد أنصارها، و بما سيجده حتما أصدقاؤها من حرج في التمادي على تأييدها رغم خروجها عن شرعية الأمم المتحدة و بذلك يكون الموقف العربي هو الأقوى في صورة استعمالنا القوة لتطبيق القانون الدولي ».

فهذا هو معنى التصريحات التي فهت بها في خطابي للاجئين بأريحة، ثم تناولتها بالشرح في مناسبات عديدة.

و قد انزعجت منها اسرائيل أيما انزعاج، لأنها أدركت خطورة الموقف، و فهمت ما يراد بها في حالتي الرفض و القبول.

فمن الغريب أن يجتمع مجلس رؤساء الحكومات العربية بعد ذلك بالقاهرة للنظر في هاته التصريحات، فلا يمعن النظر في مراميها البعيدة، و لا يلم بكل جوانب القضية المعروضة عليه للدرس و التمحيص.

و يقرر ما نصه:

« أولا: الرفض البات للمقترحات التي انفرد السيد رئيس جمهورية تونس بإعلانها خروجا على الإجماع العربي الحكومي و الشعبي، و نقضا للالتزام القومي و الرسمي بالعمل لتحرير الوطن العربي من الاستعمار الصهيوني في فلسطين.

ثانيا: التأكيد التام لتمسك الدول العربية المشتركة في الاجتماع بمقررا مؤتمري القمة الأول و الثاني، و تصميمهما على تنفيذها تنفيذا كاملا »

فبقطع النظر عما إذا كان لرؤساء حكومات الحق في إصدار قرار بشأن أحد رؤساء الدول الأعضاء بالجامعة، و ما تشكله هذه السابقة من خطورة، فإن المنطق النزيه يفند هذا القرار، و يجعله غير ذي موضوع.

موقفنا ليس خروجا عن الإجماع

فالموقف التونسي لم يكن بأي صورة من الصور خروجا لا على و لا حتى عن الإجماع العربي الذي ظهر في مقررات المؤتمرين المشار إليهما. فكلاهما كما أسلفنا، و كما يتبين من مراجعة الوثائق، كلاهما حدد الهدف و أشار إلى أن الوسائل من أنواع ثلاثة: اقتصادية و سياسية و عسكرية، و لكنه جعل الوسائل العسكرية في المرتبة الأخيرة « إذا لم تتحقق النتائج المطلوبة » بواسطة الوسائل السياسية و الإعلامية و الاقتصادية.

فمقررات الندوتين إذن مقررات إطارية تعين الاتجاه و لا تحدد التفاصيل، وهي تجعل الأولوية للمساعي التي من شأنها أن تهيء أسباب النجاح و الانتصار إذا ما أصبح الصدام الحل الناجع الوحيد.

فالذي نادينا به ليس إلا خطة سياسية تهدف إلى تحريك القضية من سباتها، و الدخول بها في طور يجعلها من جديد في ضمي الضمي العالمي و يكسبها، إلى جانب العدالة قوة القانون الدولي الذي يشكل في ظروفنا الراهنة أقوى سلاح، يمكننا التدرع به في مقاومة اسرائيل.

و قد قال البعض : كان من واجب الرئيس التونس اطلاع مجلس الملوك و الرؤساء على آرائه قبل الإعلان عنها.

و هل فعلت غير ذلك، سواء في المناقشات، أو في الخطاب الذي ألقيته في مستهل أشغال ندوة القاهرة؟

فقد كانت النقطة الأولى التي ركزت عليها كلامي أن الوضع بفلسطين يشبه إلى حد بعيد أوضاع البلاد المستعمرة، و أنه ينبغي توخي الطرائق الكفاحية التي نجحت في تلك البلاد. وهي تعتمد الدوام في المضايقة و الشغب و حرب العصابات في الداخل، و في الخارج (تهدف إلى عزل العدو في الميدان الدولي و إظهاره لدى الرأي العام العالمي بما يكره أن يظهر به، و فضح كل ما يرتكبه من شنائع حتى تتألب الدنيا عليه تدريجيا، و حتى يضطر حلفاؤه إلى الابتعاد عن مناصرته شيئا فشيئا)

و بينت أن هذا العمل ينبغي أن يقوم به الفلسطينيون أنفسهم من الداخل، و أن واجب الدول العربية المجاورة أن تقوم بنفس الدور الذي اضطلعت به تونس و المغرب طيلة حرب الجزائر، و أن تتحمل المشاق و المخاطر التي سوف تنجر لها من ذلك.

و ألقيت إذ ذاك السؤالين التاليين:

– هل الشعب الفلسطيني مستعد للقيام بدوره الرئيسي في هذه المعركة باعتباره صاحب الحق الأول الذي وقع عليه مباشرة؟

– و هل الدول العربية مستعدة لتحمل مسؤولياتها في مناصرة كفاح الشعب الفلسطيني، كلفها ذلك ما كلفها؟

أما النقطة الثانية إلي وجهت إليها الاهتمام، و شرحتها بأمثلة مقتبسة من كفاح شعوب مختلفة، فهي تتعلق بطريقة الوصول إلى الحل النهائي فبينت أن الإصرار على الظفر بالحل الكامل دفعة واحدة عندما يتعذر ذلك لأسباب قاهرة ليس بطريقة موصلة، بل لها نتائج وخيمة على القضية نفسها، و على المجتمعات المشغولة بتلك القضية.

و تبسطب في تحليل الطريقة الثورية التي هي مسيرة نحو الهدف طويلة المدى و تعتمد على تمييز صحيح للمراحل التي لا بد من قعها لبلوغ الهدف النهائي، إذ الحل المنقوص الإيجابي الثوري هو الذي يساعد على الإمعان في التقدم، و يزيد في طاقات الكفاح، فينبغي أن لا يشتبه على المكافحين بالمحل المغشوش الذي يعرقل السير و يوصد الأبواب. وهي طريقة مستوحاة من الخطط الحربية التي تعمد إلى استغلال الوسائل التكتيكية لتحسين المواقف الستراتيجية.

أما النقطة الثالثة التي نبهت إلى خطورتها في مثل هذا الكفاح فهي خاصة بما يجب أن يجتمع في القائد من خصال أدبية تمكنه من ممارسة القيادة على وجهها الصحيح، و ذلك بأن يقدم على تحمل مسؤولية الاختيار، و على الجهر برأيه و لو كان مصادما للشعور السائد في الجماهير، و ان يصبر على الأذى و المكروه في سبيل ما يعتقد أنه الحق.

بهذا الاستعراض السريع لما ورد في خطابي لمجلس الملوك و الرؤساء في ندوته الأولى بالقاهرة، يظهر جليا أن ما ذهبت إليه في خصوص مبدأ المطالبة بتنفيذ مقررات الأمم المتحدة إنما هو تطبيق لخطة وقع التعرض لها في أولى ندواتنا و لم ينكرها على أحد.

أما مسألة الانفراد بالإعلان عن هذا الموقف وهو أحد المآخذ الواردة في قرار رؤساء الحكومات فإنه غير مطابق للواقع في شيء، وهو محض جهل أو تجاهل للحقائق التاريخية البعيدة منها و القريبة على السواء.

ذلك أن ما وصف بالخروج عن الإجماع القومي، الرسمي منه و الشعبي إنما هو عين الموقف العربي الرسمي منذ سنين، و لم يزل يطالب به العرب في المحافل الدولية.

و قد قال المتكلم بلسان فلسطين في اجتماع اللجنة السياسية العامة بتاريخ 26 نوفمبر سنة 1952 باللفظ الواحد : (إننا نلتزم مبقررات الأمم المتحدة).

و كان المتكلم آنذاك السيد أحمد الشقيري.

و أعلن أيضا نفس المتكلم أي السيد الشقيري أمام اللجنة السياسية الخاصة في جلستها المنعقدة في 14 ديسمبر 1962 ما لفظه: (إني أقبل نداء زميلنا في الفلتا العليا لتنفيذ جميع قرارات الأمم المتحدة. و نحن لا نختار قرارا منها أو نؤثره على أي قرار آخر. فإذا كنتم تريدون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، تلك التي تظنون أنها ضدنا أو تلك التي تعتقدون أنها لصالحنا، فإننا نعلن قبول هذه القرارات كلها جملة و تفصيلا).

و إذ ينكر اليوم نفس ذلك المتكلم إمكان التفاوض على أساس المقررات الدولية، فهل نسي ما كان يطالب به في الدورات المتوالية لجميعة الأمم المتحدة؟ فقد قال الشقيري في دورة 1952 :

(و اني أود أن أعلن بصراحة بأننا نقبل المباحثات المباشرة، بل إني مستعد أن أتفاوض مع أي شخص، كائنا من كان، يحترم الميثاق و مقررات الجمعية العمومية. أن رغائب الأمم المتحدة هي رغائب العالم بأسره فلماذا نتجاهلها و لا نحترمها؟ لنعمل جميعا لأجل السلام بتحقيق مقررات الأمم المتحدة، و ليس أمامنا غير هذه السبيل).

بل أن الشقيري كان يجتهد في إقناع اسرائيل بضرورة الاعتراف بالمقررات الدولية قبل التفاوض إذ بدون ذلك في نظره لا يبقى لدولة اسرائيل كيان شرعي. فقد قال مخاطبا اسرائيل : (فإذا جئتم للمفاوضة، و هذه القرارات معكم، فإنكم تمثلون اسرائيل، و نحن نتباحث معكم. و لكن إذا أردتم تجاهل هذه المقررات فلن تكونوا ممثلين لشيء اسمه اسرائيل بل ممثلين ليهود فلسطين. و نحن مستعدون أيضا أن نتباحث مع ممثلي سكان فلسطين اليهود الشرعيين.

فالذي ظنه حضرات رؤساء الحكومات انفرادا و شقا للاجماع العربي يرجع أصله إذن إلى مواقف كادت تصبح تقليدية.

فمن مقررات مؤتمر باندونغ المنعقد سنة 1955 و الذس اشتركت فيه الجمهورية المصرية هذه الفقرة بالضبط:

« تعلن الندوة الإفريقية الآسيوية تأييدها لحقوق الشعب العربي بفلسطين و تطالب بتطبيق مقررات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين و بتحقيق حل سلمي للمشكل الفلسطيني ».

و الجدير بالملاحظة هنا أن ندورة باندونغ لم تشعر بضرورة المطالبة بحل عادل. واكتفت بعبارة حل « سلمي ».

و قد يتبادر إلى الذهن أن الموقف العربي قد تغير منذ تلك التصريحات، و أن مقررات الأمم المتحدة لم تعد تناسب الظروف الراهنة و قد قال قائل: هذا باب طرقناه مرارا بلا جدوى، فلم الرجوع إليه؟

الجواب عن هذا في تصريح فاه به الرئيس جمال عبد الناصر نفسه صاحب الاعتراض، وعبر فيه نفس الخطة التي ناديت بها في الأردن و في لبنان في أوائل مارس 1965. وقد نشر تصريح الرئيس المصري بمجلة « ريالتي » الفرنسية في عددها المؤرخ بأفريل 1965 أي بعد تصريحاتي بشهر.

فقد أجاب عن سؤال متعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية بما نصه:

« نعم على الفلسطينيين أنفسهم أن يقوموا ابتداء من الآن بتحقيق رغباتهم. و جميع البلدان العربية مؤيدة إلى أقصى حد ما ستقوم به هذه المنظمة التي لها جيش تتولى تدريبه وتجهيزه الدول العربية. و عندما تستكمل المنظمة استداداتها سوف تشرع في العمل من أجل تطبيق مقررات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين و بحقوق العرب الفلسطينيين »

ثم رد على سؤال آخر بقوله: « أن أمة تسعى إلى فرض تطبيق مقررات الأمم المتحدة لا يمكن أن تنعت بأنها معتدية ».

وهو بذلك يقر نفس الخطة التي أعلنت عنها، والتي ترمي إلى جعل القانون الدولي إلى جانب القضية العربية في صورة نشوب عمليا حربية بن الطرف العربي والطرف المعادي.

و في تصريحات الرئيس المصري نفط أخرى جديرة بأن يلفت إليها النظر.

فهو إذ يقول : « و عندما تستكمل المنظمة استعداداتها سوف تشرع في العمل من أجل تطبيق مقررات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين و بحقوق العرب الفلسطينيين » فهو إذ يقول ذلك على انفراد، و بدون أي استشارة سابقة، يحدد مهمة منظمة التحرير الفلسطينية، بأن يجعلها تهدف إلى تطبيق مقررات الأمم المتحدة التي نعتها بأنها خاصة بفلسطين و بحقوق العرب الفلسطينيين.

و لئن ذهبت أنا إلى اعتبار تطبيق تلك المقررات مرحلة نحو الحل النهائي، فإن المفهوم من تصريحات الرئيس المصري أن المقررات الدولية تمثل أقصى ما يمكن أن يطالب به العرب الفلسطينيون من حقوق.

و قد يتبادر إلى بعض الأذهان أن ما عناه السيد جمال عبد الناصر من كلامه ذاك، هو ما يذهب إليه عادة المسؤولون العرب عندما يتحدثون عن مقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين، و ذلك بأن يقفوا عند نصف الآية – و يعنوا- بضرب من الاحتراز الذهني مألوف- أن ما يؤيدونه من هذه القرارات إنما هو المتعلق برجوع اللاجئين لا غير.

و قد تنبه الصحفي ممثل المجلة الفرنسية إلى هذه النقطة فقال : « لنفرض لحظة – و أن كان ذلك غير واقعي – أن اسرائيل تقبل برجوع اللاجئين العرب، و أن مقررات الأمم المتحدة يمكن تطبيقها، فإنه يبقى بعد ذلك لا محالة كيان لدولة اسرائيل، وسط العالم العربي، فهل تقبلون هذا الوضع؟ ».

الجواب: « إن الأمم الإفريقية الآسيوية قالت في ندوة باندونغ أنها ترضى بتطبيق مقررات الأمم المتحدة، و الدول العربية متفقة معها في ذلك »

فبالرغم من أن الرئيس عبد الناصر لم يشأ أن يتلفظ مباشرة بموافقته على بقاء دولة اسرائيل، في صورة تقسيم التراب الفلسطيني بين دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية، فإن الكلمات والصيغ لا تكفي لتغطية الحقائق وأن ما صرح به هو عين ما ذهب إليه في مختلف تصريحاتي في نفس الصدد. فكل هذه الوثائق التي أشرت إليها، سواء الخاصة بندوة باندونغ أو المتعلقة بتصريحات الرئيس المصري وتصريحات السيد الشقيري كان من النزاهة والإنصاف أن تحال إلى نظر رؤساء الحكومات العربية حتى يقع درسها إلى جانب التصريحات التي فهت بها من جهتي، و حتى تتخذ القرارات بشأنها جميعا بدون ميز ولا تلبيس.

و لا بد هنا من أن أضيف إلى الملف شهادة لا أظن أن الرئيس عبد الناصر منكرها علي مهما تقلبت بنا الأحوال. ذلك أني في إحدى جلساتنا الخاصة ذاكرته عن مسألة قرارات الأمم المتحدة، و ما قد يدنيه العرب من المطالبة بتطبيقها، فأجابني في نبرة من الأسف بأنه مقتنع بذلك، و أنه كان صرح به في ندوة باندونغ، و أنه استهدف إذ ذاك لحملة من الاستنكار. فقلت له: « قد أعيد أنا الكرة في هذا الموضوع » و أضفت مازحا « و أملي أن لا تهاجمني آنذاك أبواق القاهرة » و ضحكنا. و كنت أبعد ما أكون عن أن أتوقع من مصر ما لم أشر إلى احتماله إلا من باب المزح و المداعبة.

فلماذا هذا التحول المفاجئ في وقت كانت تبدو فيه العلاقات بين بلدينا على أحسن ما يرام بفضل ما أخذا فيه من تعاون و بفضل ما ظهر بينهما من تجانس في الأنظمة و الاتجاه.

و لماذا تهاجم تونس عندما تقول أن الحل الكامل غير ممكن في الوقت الحاضر، في حين أن الرئيس المصري صرح بذلك في مناسبات عديدة، و آخر مرة في موسكو إذ قال: « أن المشكلة (مشكلة فلسطين) ينبغي تسويتها على مراحل ».؟

و لماذا يتهم الرئيس التونسي أنواع التهم إذ يدعو الفلسطينيين إلى العمل المباشر، بينما يتنفس الكثيرون الصعداء عندما يقول الرئيس المصري: (وينبغي أن يعزز العرب أوضاعهم الداخلية قبل كل شيء، ثم يهتموا بعد ذلك باسرائيل عندما تسمح الظروف الدولية بذلك)؟

هنا لا بد من الرجوع إلى الظرف الذي انطلقت فيه حملات الشتم و الثلب من القاهرة، وانتشرت من هناك إلى بعض البلدان المجاورة. كانت إذ ذاك الأزمة التي احتدمت بين البلدان العربية من جهة و ألمانيا الغربية من جهة أخرى بسبب قضية الأسلحة المهداة إلى اسرائيل، كانت هذه الأزمة سائرة في طريق الانفراج إثر إعلان الحكومة الألمانية عن قطعها لذلك المدد نتيجة للموقف الحازم الذي وقفته جميع الدول العربية وفي مقدمتها مصر.

و اعتبرت الحكومات العربية هذه النتيجة جد مشرفة و كافية في حد ذاتها لإنهاء الخلاف.

ولكن جانبا متفرع عن هذه القضية كان لا يزال يعظم و يتطور إلى مشكلة ثنائية بين ألمانيا و مصر. ذلك أن القاهرة كانت إبان الأزمة وجهت إلى زعيم ألمانيا الشرقية أولبرخت دعوة اعتبرتها بون صفعة مهينة.

غير أنا كنا نميل إلى الاعتقاد بأن هذه الدعوة سوف تؤجل أو أنها على الأقل لن تكتسي ما يزيد في توتير العلاقات بين البلدين.

و الحقيقة أن هذا المشكل الجانبي الذي تفرع عن قضية السلاح كان يثير قلق العرب، وأن لم يكن يهمهم مباشرة، إذ هو ناتج عن قرار اتخذته حكومة القاهرة في نطاق مسؤولياتها الذاتية كدولة مستقلة. و لا يمكن أن نعتبر دعوة أولبرخت رد فعل ملزما لجميع الدول العربية، إذ لو كان الأمر كذلك لوجب أن تستشير القاهرة بقية أعضاء الجامعة قبل أن تصدع بقرارها. و لكن شيئا من ذلك لم يحدث فيما يتعلق بتونس، على كل حال، لا عن طريق الجامعة، و لا عن طريق السفارة، و لا خلال المحادثات التي أجريتها بالقاهرة أثناء زيارتي لها في نفس الفترة.

غير أنا لم نلبث أن دعينا في نطاق الجامعة إلى التضامن مع الدول الشقيقة، و ذلك بقطع العلاقات الاقتصادية مع ألمانيا الغربية. و بدأت أبواق القاهرة تصب جام ضغوطها على الحكومات العربية لترهيبها و لحملها على الانصياع.

و انساقت في التيار دول نراها الآن بصدد مراجعة موقفهان تسعى إلى إرجاع العلاقات، بينما ألمانيا الغربية تماطل و تسوف.

أما نحن فاستنكفنا من الانصياع للأمر المقضي، و أبينا الانسياق فيما لم تفع استشارتنا فيه، و قد يمس بمصالحنا الوطنية، دون أن يلحق أي ضرر باسرائيل.

فلما يئست القاهرة من امتثال تونس، بدأت الحملة علينا، لا في موضوع التضامن بالذات، ولكن في مسألة اعتقدتها أحرى بأن تثير غضب الجماهير في المشرق، وهي قضية التصريحات المتعلقة بفلسطين. و كانت حتى ذلك التاريخ أحجمت عن المهاجمة الصريحة واكتفت بالإيعازات الخفية.

و من الأدلة على أن موقفنا مما سمي بقضية التضامن هو الذي أثار ثائرة القاهرة أن الرئيس جمال عبد الناصر اقتبل ممثلي الشخصي بعد التصريحات التي قمت بها في الأردن و لبنان إبان التصويت في الجامعة عن مسألة التضامن، و كان الحديث وديا للغاية و أظهر الرئيس جمال عبد الناصر تفهما كبيرا للآراء التي أدلينا بها و انحى بالملائمة على الصحفيين اللبنانيين الذين قاموا برد فعل لا يشرف أقلامهم قائلا: « وهل صحافة بيروت جديرة بمثل هذه الندوات؟ »

على أن قضية الأزمة بين القاهرة و بون حرية بأن تسترعي الاهتمام في حد ذاتها لأنها تكشف عن جوانب مرتبطة ارتباطا مباشرا بسياسة مصر تجاه العالم العربي.

و هنا لا بد من إلقاء بعض الأسئلة التي تعين على إنارة الموضوع:

أولا: قضية السلاح معروفة قبل اندلاع أزمتها بسنتين، و قد كانت تعرضت لها الصحافة الأمريكية. فلماذا لم تولها القاهرة عنايتها إلا مؤخرا؟

ثانيا: أثناء الاجتماعات التي عقدها السفراء العرب ببون كان من أكثر الناس اعتدالا في معالجة المشكل السفير المصري فلماذا انتقلت القاهرة دفعة واحدة من الاعتدال إلى أقصى حدود التطرف؟

ثالثا: لماذا أصرت القاهرة على التمادي في توتير الموقف بعد رضوخ بون و الحال أن سبب المشكل قد زال؟

رابعا: لماذا أحجمت القاهرة عن استشارة الدول العربية في قرار انفردت به ثم طلبت تضامنهم فيما نتج عن ذلك القرار، و لكن بعد أن أمنت على مصالحها الوطنية و ذلك بأن أبرمت مع ألمانيا الشرقية اتفاقا يعوض عنا ما خسرته من جراء قطع المعونة التي كانت تأخذها من بون؟

نعتقد أن هذه الأسئلة تكشف لنا عن المشكل الرئيسي الأساسي الذي تعانيه الجامعة وتعانيه كافة الدول العربية منذ سنة 1955.

فلقد كانت القاهرة لحد ذلك التاريخ كعبة العرب و ملجأ المناضلين، و مصدر الإشعاع الثقافي العربي. و لكن سياستها تجاه البلاد العربية أخذت منذ تلك السنة في تحول يبعث على القلق. ذلك أنها تزعمت الدعوة إلى الوحدة العربية و اعتقدت أن لها وحدها رسالة تاريخية في تحقيق هذه الوحدة، و باشرت ذلك بأسلوب جعل كافة الدول تنكمش عن الوحدة مما تسبب في خصومات متوالية أفضت أحيانا إلى أحداث مؤسفة لم تقرب ساعة الوحدة بل حالت دون أبسط علاقات التعاون.

و لمت يكن العرب في فترة من فترات تاريخهم أكثر تفرقا و لا أشد تناحرا منهم منذ أن أدعت مصر لنفسها رسالة قدسية في ضم شتاتهم و جمع صفوفهم، و توحيد أهدافهم، وسمحت لنفسها بالتدخل في شؤون كل دولة، و امتدت أياديها لرعاية كل شعب فوق أيادي الحكومات، حتى أصبحت سياسة التدخل في شؤون البلاد العربية مبدأ من مبادئ الميثاق الوطني للجمهورية العربية المتحدة إذ يقول : « أن مسؤولية الجمهورية العربية المتحدة في صنع التقدم وفي تدعيمه و حمايته تمتد لتشمل الأمة العربية كلها، و لا ينبغي الوقوف لحظة أمام الحجة البالية القديمة التي قد تعتبر ذلك تدخلا في شؤون غيرها ».

و فعلا ليس في العالم العربي نظام قائم لم يقع ثلبه و التهجم عليه و محاولة قلبه إذا هو أبى الانسياق أو بدرت منه محاولة في الخروج من الفلك المصري.

ففي عام 1955 حدثت الاضطرابات المعروفة في الأردن، و واجهها الملك حسين بشجاعة جنبت بلده شر فتنة.

و في 1958 امتحن شعب لبنان بأزمة طاحنة كادت تذهب باستقلاله. و قد ثبت بما لا يمكن انكاره أن أموالا و أسلحة أرسلت من الجمهورية العربية المتحدة عن طريق الإقليم السوري، و لولا موقف الجيش و حزم قائده اللواء فؤاد شهاب لاودت الفتنة بكيان لبنان.

و ثورة العراق نفسها ثورة 14 تموز 1958 التي رحبت بها القاهرة، و أشادت بهاأبواقها الدعائية في المدة الأولى، سرعان ما اصطدمت بنفس الموقف من القاهرة، لما اتضح أن النظام الجديد لا ينوي الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة. و ما ثورة الموصل في مارس 1959 إلا حلقة من سلسلة حافلة بالأحداث التي لا تفيد قضية الوحدة و لا تزيد في تأليف القلوب.

و هل من حاجة إلى التذكير بما حدث في سوريا التي انهكتها الانقلابات و الأزمات، حتى بدا لها عام 1957 أن النجاة من الفوضى و الشيوعية في الاتحاد مع مصر. فاندفعت في هذا الطريق اندفاعا، و أقامت الوحدة الكاملة تحت راية الجمهورية العربية المتحدة في فيفري 1958. ثم بعد النظريات و الهتافات و الشعارات جربت واقع الوحدة، فقال بعض المسؤولين من حزب البعث : « إن ما لقيه السوريون أيام الوحدة من عنت جعلهم يعتبرون الحكم الفرنسي رحمة »

وهل نسي السودان ما حل به سنتي الوحدة مع مصر؟

و هل نسي المغرب العربي الفتنة التي اصطدمت بها تونس، وهي على أبواب استقلالها ولما يستقر فيها الحكم الذاتي بعد، فكادت أن تذهب بثمار جهاد طويل، و تقوض وحدة شعب كانت صفوفه و لا تزال، و الحمد لله، متراصة متماسكة، رغم دسائس المستعمرين والصيادين في الماء العكر.

و كيف ينسى المغاربة في كل مكان موقف مصر عند نشوب المعارك المؤسفة التي سالت فيها دماء أخوة في الله و الوطن على حدود الجزائر و المملكة المغبية و مسارعة الحكومة المصرية إلى أذكاء نار الحرب، بينما كان واجب الأشقاء التدخل بالحسنى لإصلاح ذات البين.

و من ألطاف الله أن كان بتونس نظام قوي و قادة و أعوان لمسؤولياتهم، استطاعوا أن يقابلوا بالرفض ما تقدمت به القاهرة من طلب الترخيص في إقامة جسر جوي بين مصر والجزائر لنقل الجيوش و العتاد الحربي لتعزيز الجيش الجزائري.

و من ألطاف الله أن كان على رأس الجيش الوطني الجزائري رجل شجاع، يميز بين الفائدة العاجلة و المصلحة الآجلة، فأبى مشاركة العناصر المصرية مباشرة في تلك العمليات.

نعم من ألطاف أن كان كل ذلك. و لولاها لاندلعت في قلب المغرب العربي حرب يمنية ثانية.

و مهما تكن الحاجة إلى الاستشهاد بالأحداث فإنه لا سبيل إلى الإلمام بها كلها. فماهي الدولة العربية التي لم تكشف عن مؤامرة مدبرة من القاهرة أو ترجع خيوطها إلى القاهرة؟

و ماهي الدولة التي ليست لها في القاهرة أو لم يكن لها بها عناصر تشاعب بمساعدة الحكومة المصرية في الجهر أو في الخفاء؟

و ماهي الدولة العربية التي لجأت إلى الاستعانة بمربين مصريين و لم تندم على فعلتها تلك، أو لم تضطر إلى طردهم بسبب ما يقومون به من إضرام الفتن، و تحريش الرأي العام بعنوان الثورة، هذا فضلا عما تقوم به السفارات المصرية في البلدان العربية من أعمال أقل ما توصف به أنها منافية لقواعد العرف الديبلوماسي.

و لسنا هنا بصدد الإدانة و لا التشنيع، بل غايتنا أن نفهم حقيقة الداء ليمكننا علاجه بما يصلح شؤون العرب و بما بفتح أيضا أبصار إخواننا المسؤولين المصريين على ما لسولكهم من أثر سيء يحز في قلوب العرب.

و لا بد، للنفاذ إلى حقائق الأمور، من أن نتساءل عن الأسباب التي أدت بحكام القاهرة إلى مثل هذه التصرفات، عساهم أن يقتنعوا بوجوب الإقلاع عنها، فتعود المياه إلى مجاريها.

فمنذ أن بدأت النهضة، و بلاد المشرق تنشد الوحدة، تتصورها تارة في نطاق الإسلام، كمخا ذهب إلى ذلك جمال الدين الأفغني و محمد عبده، و طورا في نطاق القومية، وهو مفهوم محدث وقع اقتباسه من التيارات الأوروبية التي سادت القرن التاسع عشر.

و الحق أن فكرة القومية العربية إنما أتت من الشام، و كان العرب المسيحيون أول من نادى بها.

و من الحقائق التاريخية ما عرفت به مصر الحديثة من اعتزاز بماضيها العتيق، حتى أن قادة الفكر فيها شيدوا نظرية كاملة قوامها الروح الفرعونية، و الرئيس جمال عبد الناصر نفسه لم يتردد أن يقول في خطاب ألقاه بعد إبرام اتفاقية الجلاء عام 1954 : (إنها أول مرة تستعيد فيها مصر حريتها منذ ألفي سنة)، أي منذ عهد كليوبترا، وهو بذلك يعتبر الحكم العربي و الإسلامي حكما أجنبيا.

ثم ابتداء من سنة 1955 سمعنا منه نغمة جديدة تحاكي ما كانت تنادي به حركة البعث في سوريا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

فأي شيء أوجب هذا التحول؟

الذين يتتبعون شؤون البلد الشقيق عن كثب سمعوا و لا شك بالوثيقة المسماة (الداسة التوجيهية للخطة المصرية الأساسية)، وهي دراسة قامت بها لجنة من الخبراء المصريين كلفت بالنظر في أهم مشكل يواجه البلاد المصرية، و البلاد العربية عامة، وهو مشكل التنمية و الخروج من التخلف. و كانت توصيات هذه اللجنة تتلخص في ثلاث نقط: بناء السد العالي، و تهجير بضعة ملايين من المصريين إلى السودان، « و محادثات الحكومة المصرية مع اسماعيل الأزهري عندئذ تشهد بذلك ».

أما النقطة الثالثة فهي التوصية بالبحث عن متسع حيوي خارج حدود مصر، و يكون امتدادا لها لضمان مشاريع التنمية، التي تحتاج في أطوارها الأولى على الأقل إلى أسواق خارجية و إلى الاستعانة بالطاقات الموجودة في بعض البلدان العربية، الثرية بإنتاجها الفلاحي أو مكاسبها المنجمية و خاصة منها البترول.

على أن اعتبارات سياسية من نوع آخر تضافرت مع مقتضيات التنمية الاقتصادية.

فسنة 1955 سنة باندونغ التي ظهرت فيها كتلة الدول الآخذة بالحياد الإيجابي و التي لعبت دورا هاما في المجال الدولي و لا سيما الحرب الباردة القائمة بين المعسكرين الغربي والشيوعي كان رهانها كسب أكبر عدد من الأنصار في العالم الثالث. فكان هذا الظرف العالمي بالنسبة إلى مصر فرصة سانحة لتقوية وزنها في المجال الدولي، و كسب المعونة من الطرفين و ذلك بإظهار نفوذها على العالم الثالث عامة و المجموعة العربية خاصة، ومساومة الكتلتين في توجيه سياسة الدول الأعضاء حسب مشيئتها.

من ذلك اهتمام القاهرة بالسياسة الخارجية التي تنتجها كل دولة عربية، و أنواع الضغط التي تسلطها لتوجيهها أو لردعها.

و من ذلك سياسة الميزان المتأرجح ذات اليمين و ذات الشمال حسبما تمليه مصلحة مصر لا مصلحة العروبة عامة.

ووجدت مصر في فكرة القومية العربية التي يدعو لها حزب البعث وسيلة ناجعة لتنفيذ أغراض الثورة المصرية.

و لكن بقدر ما رأينا سوريا تتضاءل و تحتجب كذاتية وطنية أمام القومية العربية- حتى أن عناصر غير سورية أصبحت لهم كلمة داخل النظام السوري- بقدر ما انتصبت مصر محورا لكل ما يتصل بالعروبة، حتى جعلت معيار الإيمان بالقومية العربية الالتزام الفردي إزاء مصر مهما كانت تصرفاتها، على غرار الولاء الدائم الذي كان يرتبط به الشيوعيون إزاء روسيا السوفياتية. و من غريب الأمور أن نجد نفس المنطق و نفس الطقوس التعليمية : فمصر هي طليعة النضال العربي، وهي بهذا الاعتبار جمهورية العرب حيثما كانوا. وكل من يرفض هاتين العقيدتينه يكون خائنا للعروبة و عميلا للاستعمار.

لذلك فإن القاهرة لا تنظر إلى قادة البلاد العربية إلا على أنهم حكام إلى حين، ينتظرون أن يحل بهم الأجل، و إلى أن يحين الوعد فإن لها شبه وصاية مسلما بها على سائر الشعوب العربية لذلك هي لا تتعامل مع الدول إلا باعتبارها هياكل وقتية و شبه فارغة ينقصها ذلك الجوهر الخفي الذي يه تكون الهيبة، ويحق معه الاحترام. و بذلك فإن حكام العرب مقضى عليهم أن يكونوا، أما عملاء للاستعمار و أما صنائع للقاهرة، و لا قدرة لهم على الإفلات من هذا القدر المحتوم.

بذلك نفهم سياسة القاهرة تجاه جامعة الدول العربية. فهذه المنظمة لا تجمع إلا بين الدول، أما الشعوب فهي تحت وصاية مصر الثورة. و بهذا المنطق تجيز مصر لنفسها أن تخرب الدول الشقيقة بعنوان الثورة، ثم تجالس نوابها بعنوان الدولة في قاعات الجامعة كما أن لم يقع شيء.

الجامعة نفسها هيكل وقتي في نظر القاهرة، تستخدمه ما دامت في حاجة إلى أداة لحشد الدول العربية في حظيرة واحدة، و لكنها لا تعتقد أن الجامعة العربية كافية لتحقيق أهداف الثورة المصرية.

و يقول الرئيس المصري في خطابه إلى المؤتمر الفلسطيني الثاني بالقاهرة في 31 ماي سنة 1925.

« أننا نشتغل عن طريق الجامعة العربية و عن طريق مؤتمرات الملوك و الرؤساء، و لكن نعرف أن سبيلنا الوحيد لتحقيق هدفنا هو العمل الثوري العربي، و أقول العمل الثوري العربي أي العمل الثوري المصري، هنا في مصر، في الجمهورية العربية المتحدة في قاعدة العمل الثوري العربي »

لذلك فإن الجامعة العربية أداة تقوم بوظيفة معينة تجاه سائر الأعضاء لربطهم و تقييدهم وتوجيه أعمالهم، ما عدا مصر التي لا تلزمها مقررات الجامعة، و لا يقيدها شيء صادر عن الجامعة. فمصر لها وحدها الحق في اتخاذ المبادرات و تقرير الخطط، و لها أن تصدع بما ترتئيه، بينما الويل كل الويل لمن تحدثه نفسه بأن يجتهد في السياسة العربية فيلعن عن رأي مخالف فإن باب الاجتهاد قد أغلق في وجه عموم العرب منذ أن اضطلعت مصر بأعبائه و كفتهم مؤونة التفكير و الاختيار.

و لكما ظهرت داخل الجامعة العربية معارضة للمنهج المصري، هددت مصر بتجميد الجامعة أو بالانسحاب منها، باعتبار أن هذه المنظمة لم تعد قادرة على أداء وظيفتها التي رسمت لها وهي منع الأعضاء من سلوك اتجاهات منافية للتي قررتها القاهرة.

من ذلك ما حصل في دورة بنغازي الاستثنائية في جوان 1958 إبان حركة الفتنة التي نظمت بلبنان. و بعد ذلك بقليل في 11 أكتوبر من نفس السنة تكررت المسرحية لما تقدمت تونس بشكواها إلى الجامعة. ثم تكررت العملية من جديد في شتورا سنة 1962 عند تقديم الشكوى السورية.

و أخيرا سمعنا تهديدا مماثلا صادرا عن الرئيس جمال عبد الناصر في الخطاب الذي ألقاه في الطلبة العرب بموسكو، إذ ختم كلامه عن البعثيين بقوله: (إذا ما استمر الحال على هذا الشكل، فإننا سنعلن انسحابنا من مؤتمرات القمة العربية لأنه ليست هناك ثقة بيننا وبين حكومة سوريا الحالية).

و الرئيس المصري محق في جعل الثقة شرط العمل المشترك، إذ بدونها لا توجد لا جامعة عربية، و لا أخوة صادقة، و لا تعاون مثمر.

و لكننا نعتقد أن أزمة الثقة هذه ناشئة عن تصور مصر للوحدة.

مفهوم الوحدة عندنا

فالوحدة في حد ذاتها و بقطع النظر عن الصيغ المتعددة التي يمكن الاختيار بينها، والمراحل الضرورية التي تقتضيها الوحدة بين الشعوب المتجانسة و بخاصة منها المتجاورة عمل طويل و شاق، و لا أظن مسؤولا عربيا ينكر هذه الحقيقة، و إن كانت مصر تتصرف، وكان الوحدة أمر مفرغ منه، مسلم به من الجميع.

و من الواضح أن الوحدة العربية ليست بواقع ناجز، و حتى إذا نظرنا في التاريخ فإنا لا نجدها تامة شاملة إلا في فترات قلائل، و لا نجد أنها عمرت طويلا رغم ما توخاه المسلمون مع البلاد التي فتحوها من سياسة المساواة و العدل و الإخاء.

لذلك ينبغي أن نخلص مفهوم الوحدة من سيطرة العاطفة فنعيد النظر فيها على أساس المنطق.

و أول شيء ينبغي أن نقوم به هو أن نغير تصورنا للوحدة على أنها واجب يكاد يصبح من فرائض الدين أو التاريخ.

ينبغي أن نطهر مفهوم الوحدة من هذه المسحة القدسية و التي كثيرا ما نضفيها عليها، والتي تجعلنا نخون من يناقش فيها و نرميه، بالمروق و الخروج عن الإجماع إلى غير ذلك من العبارات و الصيغ المقتبسة من لغة الملل و النحل.

كذلك هناك تصورات أخرى أتتنا بها بعض المذاهب الاجتماعية و السياسية المعاصرة وينبغي أن لا نأخذها على أنها حقائق موضوعية من نوع الحقائق الطبيعية. فكثيرا ما يغلب على بعض الأذهان أن هناك اتجاهات تاريخية محتومة و أن الوحدة العربية هي إحدى هذه التيارات التاريخية التي لا مرد لها وهي حتم من أحتام القدر أو التاريخ.

لئن كان صحيحا أن اتجاه الشعوب اليوم في العالم إلى التجمع و التكتل فليس معنى هذا أن هناك جبرية تاريخية تدفعهم إلى ذلك. و قد رأينا في أوروبا كيف أن تيار الوحدة لم يستطع أن يشق طريقه إلا بصعوبات جمة، لا يزال يعالجها، وهي عائدة إلى المشاعر الوطنية التي تكونت على مر الأزمان، و إلى ما يختص به كل بلد من مصالح قد لا تتماشى مع مصالح جاره أو جيرانه، و إن كانوا من أشقائه. فلا بد أن نفهم أن العامل البشري له وزنه في إنجاح هذه التجمعات، و أنه علينا أن لا نضيف إلى ما اصطنعته الطبيعة صعوبات أخرى تزيد من عرقلة سيرنا نحو الوحدة.

فاتجاه التاريخ ضرب من الرهان ينبغي كسبه، و دور القادة عظيم في كسب هذا الرهان، بتوجيه الأحداث، و المساعدة على تعجيل تيار التطور، بما يظهرونه من حكمة و صبر وسعة خيال.

لذلك ينبغي أن لا نعتمد فقد على العاطمة التي سرعان ما تزول، بل لا بد أن نعمل الرأي حتى نبني مصيرنا على دعائم ثابتة، نقدها من أدهاننا و من مصالحنا المشتركة.

و لذلك ينبغي أن نتساءل: لماذا الوحدة؟ و هل الوحدة غاية في حد ذاتها أم هي وسيلة إلى هدف يتعداها؟

إذا اعتبرنا الوحدة غاية في حد ذاتها أصبحت من الحقائق التوقيفية التي يدب التسليم بها، وشابهت بذلك المعتقدات الدينية التي لا تقبل النقاش، و وقعنا فيما كنا ننبه إليه من الطقوس و المعميات ذات الصبغة الدينية.

و لا أعتقد أن عربيا واحدا يعمل فكره في الموضوع يقبل هذا التصور.

إذن لماذا الوحدة؟

لا نرى في خصوص الشعوب العربية إلا مبررا واحدا وهو تسهيل عملية النهوض الاجتماعي و الاقتصادي بين بلدان متفاوتة في درجة التطور، و لكنها تصبح بفضل التضامن و التعاون متكاملة، يشد بعضها بعضا في هذه المعركة التاريخية الكبرى التي نخوضها جميعا للخروج من التخلف.

و بقدر ما توفق شعوبنا إلى التكاتف و التعاون بقدر ما تكون أقدر على الدفاع عن سيادتها تجاه الخارج لرد الأطماع و الصمود تجاه الضغوط و المناورات الاستعمارية..

كيف نحقق الوحدة؟

و لكن كيف نحقق هذه الوحدة؟

بحسب الجواب الذي نرد بهç على هذا السؤال يكتب لنا النجاح في مساعينا التوحيدية أو تحبط أعمالنا و تذهب ريحنا جميعا، من حيث كنا نروم تعزيز شعوبنا و إسعادها. فالطرق التي يمكن سلوكها إلى الوحدة كثيرة، و قد لا تكون أنجعها و أبقاها أعجلها.

و ليس العرب وحدهم يؤلفون مجموعة متجانسة في الثقافة التاريخ. فالمجموعات من هذا النوع كثيرة في العالم، و لا يمكن القفز بها دفعة إلى نظم توحيدية لأنه إزاء عوامل التقارب، هناك أيضا فوراق قديمة و متأصلة. وليس من السهل تذليل هذه العقبات و من السذاجة تجاهلها أو معالجته بأساليب مثيرة.

و من الطبيعي أن يقرأ حساب لما يكثر عادة بين الأشقاء و الجيران من مشاكل. فالتاريخ والأحداث المعاصرة ترينا أن أكثر ما تقوم المشاكل بين ذوي القربى و الجيران. و عن ذلك أمثلة معروفة، سواء في أوروبا أو آسيا أو في غيرها من بلاد الدنيا. فينبغي العمل على تذليلها بالأساليب الناجعة التي توفر حرية الحوار و التفاهم، و تخلق الصفاء بين الأشقاء والأجوار، إذ لا يكتب للوحدة الدوام و لا تؤتى ثمارها إلا إذا قامت على الاختيار الحر، ولم تكن مفروضة بأنواع الضغط و القهر و المساومات. و التاريخ يرينا أن التجمعات بين الشعوب إذا حصلت تحت ضغط الزعامات، سواء في ذلك زعامة فرد أو زعامة بلد من بلدان المجموعة، لا تعمر طويلا، و سرعان ما تنهار و تتفرق، إذ لم تقم على أساس الرضا من الأطراف المعنية.

و التاريخ يرينا كذلك أمثلة عديدة من الإيديولوجيات التوحيدية التي قامت على العواطف المشبوبة، و لكن الشعوب تنساق في التيار العاطفي مدة معلومة لم تصطدم بالواقع وما يكتنفه من عقبات و عراقيل.

و ليس أخطر على الوحدة من الفشل بسبب سوء التصرف أو هيمنة جانب على الآخر. فإن الفشل يكون نكبة على فكرة الوحدة، و يؤخر إنجازها عشرات السنين.

و ليس من الضروري أن تتخذ الوحدة في أول أطوارها صبغة الإدماج الكامل بل يحسن الابتداء بمراحل أكثر تواضعا و لكنها أعود بالفائدة على الوحدة نفسها و ذلك بإقامة أقصى ما يمكن من علاقات التعاون في الميادين التي يمكن فيها التعاون. على أساس المصلحة المشتركة و احترام السيادات الوطنية.

و لا بد لنجاح هذا التعاون من توفير الثقة المتبادلة، و لا يكون ذلك إلا بالاقلاع عن المنوال « الوحدوي » الذي تنادي به مصر مدعية أنها مهبط الوحي الثوري، و منبع الوعي القومي، ومركز الدفع الاشتراكي.

فإن سياسة تصدير الثورة تؤدي إلى الإخلال بأقدس مبادئ الثورة ألا وهو إسعاد البشر في كنف الإخاء و السلام.

و من الوهم أن يتصور البعض أن الصعوبات صادرة عن أشخاص الحكام الحاليين، و أن الشعوب العربية مستعدة للذوبان في الجمهورية العربية المتحدة، فالتجربة السورية قد أقامت الدليل على خطأ هذا الاعتقاد.

و عليه إذا أرادت مصر أن توفر هذه الثقة، فعليها أن تبدأ بتغيير اسم دولتها، إذ نتساءل: مع من هي متحدة الآن، هذه الجمهورية الملقبة بالمتحدة؟ و إلى ما ترمز النجمتان الموجودتان على العلم المصري؟

هذا بقطع النظر عما يجر إليه تلقيب الجنسية المصرية « بالعربية » من مهازل، إذ كثيرا ما ترد في البلاغات المصرية أمثال هاته العبارة المضحكة : « اجتمع الوفد السعودي و الوفد العربي »، يراد بذلك الوفد المصري.

فإصرار مصر على اللقب و على النجمتين يدل على نوايا لم تزل عالقة بأذهان إخواننا في مصر. فكأنهم لم يقبلوا حتى يوم الناس هذا انفصال ما أسموه الإقليم الشمالي، و لا تزال تساورهم نية استرجاعه، و إن كان ذلك يبدو من قبيل المستحيلات. و كأنهم بمحاكاتهم للعلم الأمريكي يعتبرون أن بقية الدول العربية عليها أن تنضم إلى « الجمهورية العربية المتحدة ».

فشرط الثقة أن تزال هذه الشعارات التي تجسم مركبات الغرور و الهيمنة على حساب كرامة الشعوب العربية.

و إذ ذاك فقط يمكننا أن نعيد النظر، بصراحة وجد، في طبيعة العلاقات بين الدول العربية حتى نطهرها من عوامل الارتباك، و من الانتفاضات المتوالية، و حتى تعود قاعدة التعامل بين العرب: الصدق في القول و الإخلاص في العمل، باعتبار المساواة و حرية تقرير المصير.

عندئذ يصبح في إمكان الجامعة أن تؤدي دورها الذي من أجله خلقت، وهو أن تكون جامعة دول مستقلة متساوية، و عندئذ يصبح في الإمكان تقرير المصلحة العربية في نطاق الجامعة على أساس الحوار الحر بين جميع الدول الأعضاء دون هيمنة طرف، يتولى بمفرده تقرير الخير و الشر، و الإعلان عما هو حلال أو حرام في ملة العروبة مشرقا و مغربا

و لما كانت الجامعة مجالا تتلاقى فيه أطراف متعددة فمن الطبيعي أن لا تكون هذه الأطراف دائما على أتم الاتفاق في كل شيء. و ينبغي أن تؤخذ تلك الخلافات على أنها اجتهادات صادقة فلا تنعت بشتى النعوت و لا تقابل بأنواع التشنيع. فأغلب قادة العرب إن لم نقل كلهم وقع اتهامهم في وقت من الأوقات بالخيانة أو العمالة.

و قد سمعنا أخيرا الرئيس المصري يتهم الرئيس التونسي، في بلد أجنبي، بأنه « ينتهج سياسة المسالمة مع الغرب و مهاجمة الجمهورية العربية المتحدة من أجل أن يقبض منه المال ». وتترجم أبواق القاهرة هذا الكلام فترمي بورقيبة بالخيانة و العمالة للاستعمار والتسليم للغرب.

هذه التهمة بالتعامل مع الغرب عرفناها من مصر منذ سنة 1955، وهي ناتجة عن جهل المصريين بأوضاعنا من الناحيتين الجغرافية والتاريخية، و عدم تصورهم أن ما يصلح في المنطقة الشرقية قد يكون وبالا بالمنطقة الغربية. فأهل مكة أدرى بشعابها، و نحن أدرى بالمخاطر المحدقة بنا، إذ نعلم من أين أتتنا الأخطار في الماضي.

على اننا نسأل القاهرة: متى رفضت هي التعامل مع الغرب؟ ألم تتقاض معونات طائلة من أمريكا و غيرها من بلاد الغرب؟ و متى سمعنا بمصر تعمد إلى رفض معونة من بلد غربي لاعتبارات سياسية؟

و أذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر نفسه قال مرة: إن السلاح الذي نحصل عليه لا يهم مصدره. المهم هو اليد التي تمسك بذلك السلاح في خدمة الأغراض القومية. فلماذا لا يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى جميع الدول العربية في خصوص كل معاملاتها، ما دام الهدف هو بناء مجتمعاتنا و النهوض بها؟

و لئن كان في مقدورنا أن نرد على التهم بمثلها، فإنا نأبى الانسياق في هذا التيار لأنا لا نعتقد الخيانة في أي مسؤول عربي. و لا نعتقد أن الرئيس جمال عبد الناصر بالذات عميل لأحد، كما لا نصدق بأنهç يعتقد في قرارة نفسه أن الرئيس التونسي عميل لأي كان.

و إذ ننزه كافة المسؤولين العرب عن مثل هذه التهم فإذا نعتقد أن كلا منهم يجتهد بحسب إمكانياته الشخصية و الإقليمية، ومن الطبيعي أن تختلف هذه الجهادات ما دامت الشخصيات غير متشابهة و المصالح الوطنية مختلفة

لذلك نعتقد أن الطريقة الوحيدة إلى إقرار التعاون بيننا إنما هي طريقة الحوار الحر على أساس الاحترام المتبادل للسيادات الوطنية.

و مهما يكن من أمر فإن تونس تعلن رفضها لكل تدخل في سياستها، سواء التي تهم نظمها الداخلية أو علاقاتها الخارجية و تعتبر هذه الميادين من صلب السيادة و لا يمكن أن تقبل فيها النزاع، لا مع الأشقاء و لا مع غير الأشقاء، فضلا عمن يدعي بالوصاية وحق الإشراف على حظوظ العرب أجمعين.

و إننا إذ نعتقد أن أسلم قاعدة للتعاون بين الدول أن تهتم كل منها بما يخصها و أن يقع التعاون في المجالات المشتركة، لمواصلة الاشتراك في مداولات الجامعة على أساس هذا الوضع.

و لم نقدم على هذا القرار إلا بعد التروي و مع الشعور بالأسى العميق.

و أملنا أن يتفهم كافة الأشقاء هذا الموقف الذي نحن مضطرون إليه، صيانة لكرامة دولتنا، و ابتعادا عن أذكاء الخلافات بين العرب. على أن ذلك لن يمنعنا من تقوية روابط التعاون الثنائية مع كل دولة شقيقة صديقة، و لن يحول أبدا دون الوفاء بما تعهدنا به في خصوص فلسطين.

و إننا لنأمل صادق الأمل أن يسفر اجتماع الملوك و الرؤساء عن تأكيد المبادئ الأساسية التي انبنت عليها الجامعة، و ذلك لحماية التضامن العربي من التصدع و كذلك- و نقولها بدون صلف- لإنقاذ مصر مما انزلقت إليه من مخاطر تستنزف قوها، و تشل حركة التقدم المباركة التي شرعت فيها.

و إني موقن أنها إذا ما تغيرت معاملتها للشعوب العربية فإنها سوف تكسب مع المحبة الثقة، و مع التعاون المثمر الاحترام و التقدير اللذين نكنهما جميعا لشعب شقيق هز بحق رائد نهضتنا الحديثة، و محط آمالنا سواء في تحرير فلسطين أو في انتشار العقلية التقديمية التي هي شرط من شروط الخروج من التخلف.

و إنا إذ نتفاءل خيرا باتفاقات جدة المتعلقة بحرب اليمن، نتمنى أن يعم الصفاء كافة القلوب، و أن تنتشر عدوى السلم إلى كافة الأقطار العربية على نفس الأساس الذي تمت به سلم اليمن، وهو أن تترك الحرية لكل شعب عربي في تقرير مصيره، حتى يسود فعلا الاحترام المتبادل علاقات الدول العربية فيما بينها، و تخرج فكرة الوحدة العربية من طور الغوغائية السلبية إلى طور الإيجابية البناءة.

و الله أسأل أن يوفقكم و يسدد خطاكم

والسلام

 

 

Laisser un commentaire