التعليم الزيتوني

التعليم الزيتوني

لما أصبح الحبيب بورقيبة رئيس أول حكومة تونسية وتونس تنعم باستقلالها التام قام بزيارات عبر مدن الوطن. في هذه الزيارات زار صفاقس سنة 1957 صحبة وزير التربية والتعليم الاستاذ الأمين الشابي. وفي زيارته صفاقس دشن الجناح للحي الزيتوني وقد أصبح مركزا للتعليم الزيتوني بعد أن خرج هذا التعليم من الجامع الكبير بصفاقس.

زار الحبيب بورقيبة أقساما عديدة واستمع الى بعض الدروس في النحو والبلاغة والتاريخ ثم اجتمع بجميع أفراد الاطار التربوي في قاعد أعدت لذلك الاجتماع وخطب بورقيبة فأشار الى أن تونس العربية تجد متعة في الأدب والشعر والبلاغة ولكنها في أشد الحاجة الى مواكبة العصر والى التقدم حضاريا وعلميا ولذلك يجب أن يكون التعليم فيها مركزا على الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم التي ارتقت بفضلها دول وشعوب.

هذا الذي قاله بورقيبة ألا يدل على أنه كان يتصور أن التعليم الزيتوني في ذلك الوقت يدور حول الفقه وقواعد اللغة العربية والبلاغة والأدب فقط ولذلك بشر في ذلك الاجتماع بقرب الغائه تلميحا لا تصريحا.

فهل كان التعليم الزيتوني مبرمجا في العلوم الدينية واللغوية فقط ؟ ذلك ما يقوله أو ما عرفه بورقيبة، وتلك هي الصورة التي توارثها بعض التونسيين والتونسيات عن التعليم الزيتوني، وتلك هي الشهادة التي يشهد بها اليوم جمع من النخبة المثقفة بتونس وهم من الصحافة وفي التلفزة يتحدثون أساسا أو عرضا عن التعليم الزيتوني. وتاريخ جامع الزيتونة ببرامجه وشهائده وكتبه التي طويت يوم ألغي التعليم الزيتوني تشهد بغير ذلك وتسفه تلك الشهادة المزورة.

يوم أن زار بورقيبة الفرع الزيتوني بصفاقس في مبنى الحي الزيتوني كان تلاميذ المرحلة الأولى من التعليم الزيتوني يتلقون دروسا في العلوم والأدبية، وكان جانب العلوم الدينية واللغوية يقدمون للتلاميذ دروسا في الرياضيات والأستاذ نورالدين الزنزوري لو كان حيا لشهد بذلك. ويوم أن زار بورقيبة الفرع الزيتوني بصفاقس كانت في « دار بن عبد الله » قرب الصباغين بتونس العاصمة شعبة عصرية زيتونية منها يتحصل التلميذ على شهادة تساوي تلاميذ الصادقية والباكالوريا.. وقد شارك تلاميذ الشعبة العصرية في امتحان الباكالوريا ونجحوا في الديبلوم الصادقي.

وفي السنة التي ألقى فيها بورقيبة بالتعاون مع وزيره محمود المسعدي كان عدد الزيتونيين في جامع الزيتونة والفروع الزيتونية قد وصل أربعة عشر ألفا خلافا لمن قال : « إن عددهم دون الثلاثة آلاف ».

 

 

الطاهر بن عاشور والزيتونة

أما بعد، فهذا مضى حول كامل قد حال على اليوم الذي كنّا فيه بهذا المقام نتوجه إلى اللّه باستمداد العون، والتأييد لتحقيق آمال الخير والصلاح المعلقة على استهلال الاستقلال التام للبلاد التونسية وإقامة دولتها على أصول الحرية الكاملة والصبغة القومية الخالصة في إسلامها وعروبتها ومستنزلين النصر والتوفيق لقائد الأمة ورئيس حكومتها.

وها نحن في يومنا هذا نشاهد ذلك القائد مظفّرا قد حلّ بيننا تتمثل في ذاته جميع مقومات الاستقلال التي جاهد في سبيلها متفانيا مستبسلا فالأمة التونسية تنعم اليوم بما لم يكن يخطر في الآمال في حياتها السياسية والقضائية والعلمية والاجتماعية وشوكتها الدفاعية لولا ثقتها في سداد حركتها القومية وصدق قادتها المخلصين وفي صدرهم هذا المجاهد الأكبر الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة، فكما استمدّت الأمة من ذاته في الأمس القريب معاني الثبات والعزم والتضحية والحكمة، تستمدّ اليوم عزّ النصر ونخوة السيادة والاطمئنان إلى مستقبل السعادة كاستمداد الأنوار من شمس النهار.

إنّ صوت الجامعة الزيتونية تحقيق بأن يرتفع صادعا بهذه المفاخر، فما هذه الجامعة إلّا مستودع الروح القومية ومقرّ الحياة العقلية لكيان وطنيتنا العربية الإسلامية، فهي التي أسست من أول يوم لتغذّي حياة المجتمع الإسلامي بهذه الديار من المعنويات المقوية والمثل الروحانية العليا التي يربط بها على القلوب عند الشدائد وتثبت بها الأقدام حين الزلازل، وبقيت كذلك مرابطة مصابرة تقاوم العواصف وتنازل العوادي يجد فيها كل حزب من الأحزاب القومية سلواه، وكل كلم من كلومها أساه.

إنّ السنة الدراسية التي نحتفل بختمها هي أوّل سنة قضتها الجامعة الزيتونية في وضعها الجديد الذي أتى به الأمر العلي الصادر في رمضان 1375 وهو الوضع الجامعي الثابت لصبغة المكتمل النصاب المعترف به رسميا في قوانين المملكة اعترافا شاملا لصبغة المعهد ودرجة تعليمه العالي ومنزلة شهاداته العليا في أصول الدين والقضاء واللغة العربية والقراءات والآداب. وقد ظهر إقبال عظيم من حملة شهادة التحصيل التي هي نهاية التعليم الثانوي الزيتوني على الانخراط في سلك طلبة الجامعة فبلغ عدد الطلبة الذين انخرطوا في كلية الشريعة ثلاثة وثمانين والذين انخرطوا في كلية العربية والآداب ثلاثمائة واثنين وأربعين وذلك جرّ إلينا مضايقة في تسديد ما يقتضيه من الدروس ساعات وأساتذة وقاعات، على أنّ انفتاح منافذ جديدة في عديد الوظائف بالسلك القضائي والسلك الإداري والسلك التعليمي وانفتاح منافذ أخرى في المعاهد المحدثة للتعليم العالي مثل دار المعلمين العليا والمدرسة العليا للحقوق قد حملت كثيرا من حملة التحصيل على أن يتنافسوها فيهجروا دروس الجامعة فتناقص عدد طلبة الجامعة في أثناء السنة الدراسية وإنّ لهم فيما ارتكبوا لعذرا من جهة أنّهم قد وجدوا في الوظائف من المرتبات وفي المعاهد العليا من المنح والقروض الشرفية ما يسدّ الحاجة المادية التي هم عليها نزارة العدد اليسير الذين يتمتعون بالمنح الجامعية على زهادة مقدار ما يتقاضاه كل واحد منهم، فإنّ ضيق الاعتماد المخصص في ميزانية السنة الدراسية المنتهية لم يسمح إلّا بمنح عشرين طالبا بمقدار خمسة آلاف فرنك لكل واحد في الشهر. نأمل أن يتوفّر لطلبة الجامعة في السنة الدراسية المقبلة ما يشجعهم على الانقطاع إلى الدراسة الجامعية ويضمن راحتهم فيها».

 

طه حسين في رحاب الزيتونة

تونس سبقت البلاد العربية كلها في الملاءمة بين حياة الدين والدنيا

وإني لسعيد كل السعادة بان اجد نفسي في هذه الجامعة العزيزة جالسا بينكم هذه الجلسة التي طالما جلستها في ازهرنا الشريف حين كنت طالبا اتلقى العلم على اساتذته الاجلاء.

إني لسعيد جدا بان اجد نفسي بينكم جالسا هذه الجلسة مستمعا الى حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الاكبر والى ما قاله من هذه الاشياء التي تبشر بهذا الرقي العظيم في هذه الجامعة وتدل على ان تونس قد سبقت البلاد العربية كلها، لا استثني منها بلدا الى هذا الذي صبا اليه المصلحون والأستاذ الامام محمد عبده بنوع خاص من هذه الملاءمة بين حياة الدين وحياة الدنيا، فقد قال النبي الكريم « إن الدين يسر »، والله عز وجل يقول : « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر »، وأي تيسير على الناس احب الى الله والى رسوله والى المسلمين الصادقين من هذا الذي أتيح لكم فيه من الاصلاح ومن التقريب في علوم الدين وعلوم الدنيا، ينفع الناس وينفع نفسه بنفع الناس، فلا خير في انسان لا ينتفع به نظراؤه عامة ومواطنوها خاصة ».

فلم أكد الم بهذه المدينة حتى رأيت ما بهرني حقا، رأيت شبابا لا أعرف له مثيلا في سائر البلاد التي ظفرت بمثل ما ظفرتم به، وإنني لا أتصور كيف وصلت تونس الى هذه الاشياء الكثيرة في عام واحد وخصوصا في ميدان الاجتماع والثقافة، ومع هذا كله فإنكم لا تنظرون في المرآة ولا تنظرون الى وراء وإنما تفكرون في غد تنظرون الى غد، وانتم لا تعجبون بما حققتم امس ولا بما حققتم اليوم وإنما تفكرون فيما ستحققونه غدا، واني لا اغلو اذا قلت ان هذا كله يسحرني ويوشك ان يعجزني عن ان أتحدث إليكم، فلا تؤاخذوني إذا بعدت بكم عن تونس وعن المغرب العربي، بل وعن العالم العربي في العصر الحاضر.

Laisser un commentaire