ابراهيم طوبال : القضية الحقيقة لاغتيال صالح بن يوسف

القضية الحقيقية لاغتيال صالح بن يوسف

عن ابراهيم طوبال

و إذا كانت المعارضة الوطنية التونسية، في مسيرة نضالها لم تنس يوما الشهيد بن يوسف و عملت كل ما بإمكانها، و حسب إمكانيتها، على فضح الجريمة، و تعرية القتلة، و رغم إيمانها بأن شعبنا يعرف الحقيقة، و إذا كان يجهل فصول الجريمة فلقد حان الوقت لشعبنا، كل شعبنــا، أن يطلع على الحقيقة كاملة لشحذ همته، و تعبئة صفوفه، في مرحلة من أخطر المراحل التي يمر بها نضاله لإنهاء نظام بورقيبة، و محو العار الذي لحق به من جراء وجود بورقيبة، رئيسا له طيلة هذه الفترة، رغم معرفتنا بكل ما قدمه جماهيرنا من تضحيات، و دماء لإسقاط هذا الحك، و إعادة تونس  إلى وجهها العربي النضالي الصحيح.

و إذا كان الرئيس بـــورقيبة، قد ارتاح لجريمة اغتيال الشهيد صـالح بن يوســـــف في أوت/آب 1961 معتقدا أنه باغتياله انما يغتال إرادة النضال عند شعبنا و تمسكه بعروبته إلا أن ظنه خاب عندما حمل مشعل النضال رفاق لابن يوسف و شباب تونس أبي لبلاده الإذلال و الاضطهاد. و ها هو بورقيبة يعود من جديد لينكأ جراح شعبنا، و يتصرف تصرفات هستيرية، جعلت حتى الصحافة الدولية التي كانت تبجله و تثني على حكمته و بصيرته (الأغراض ليست خافية على أحد) تشك بقدراته العقلية التي يعرف شعبنا منذ زمن طويل أنها غير متزنة.

لقد عاد الرجل المريض، من جديد إلى مسرح الجريمة محاولا أن يبرئ صنيعته بشير زرق العيون، من دم الشهيد، ذاكرا أن البعض يعتقد بأن السفاح البشير زرق العيون هو القاتل، بينما زرق العيون كان أثناء الجريمة في سويسرا.

و هذا ما أكدته المعارضة التونسية من قبل للصحافة العالمية.

و لكن بورقيبة لا يستطيع في حديثه أن يمحو العار عن هذا المجرم، الذي لعب دورا أساسيا في الجريمة، مستغلا صلة القرابة، التي تربطه بالشهيد صالح بن يوسف كابن خالته، و المسؤول عن إعداد تفصيلات الجريمة، و دقائقها وطريقة تنفيذها، و الذي يتحمل  مسؤولية اغتيال  عــدد آخر  من مناضلينا في تونس أيضا.

و إذا كانت السلطات الألمانية و السويسرية، لاعتبارات سياسية محضة لم تفضح القتلة المجرمين، و من وراءهم. إلا أنني أن أؤكد مجددا، و نتيجة إطلاعي على بعض الوثائق التي سمح لي بالإطلاع عليها، و البحث الموضوعي عن هوية  القتلة و من وراءهم و من خلال  أحاديثي مع شخصيات سويسرية و ألمانية مسؤولة، أن أؤكد من جديد، بأن المجرم الحقيقي هو زرق العيون بمشاركة ابن أخته بــن تـربوط و الصادق بن حمزة و رزقي و السفير توفيق العرجان زوج بنت وسيلة بنت عمار. و أن المنفذين هما محمد الورداني و علي ورق. و أن الدافع للجريمة، و تصفية الشهيد تصفية جسدية، هو بورقيبة       و عشيقته آنذاك، و زوجته الحالية وسيلة بن عمار بمشاركة علال العويتي و حسن بن عبد  العزيز الورداني و عبد الله و محمد فرحات.

بورقيبة يخدع السويسريين

و لإعطاء التوضيحات و التفاصيل، و الكشف عن القتلة المجرمين، و من وراءهم، لابد من العودة إلى سنة 1961 و إلى شهر فيفري (شباط) بالتحديد. مستندا في هذه التوضيحات، على وثيقة مكتوبة من قبل الشرطة السياسية السويسرية. فلقد حاولت السلطات السويسرية و نتيجة إلحاح دائم و شديد، من قبل بورقيبة، بحجة  العمل على وفاق الرجلين، ترتيب لقاء بينهما، يتم على الأراضي السويسرية، التي اشتهرت بحيادها و بموافقتها الإنسانية ، للمساهمة حسب رأي بورقيبة في جمع الشمل، و إنهاء الفرقة و الانقسام، مما يساعد على استقرار تونس و بنائها، و يعزز مكانة سويسرا، في قلب تونس. للدور الإيجابي الذي تقوم به و يكسبها حمدا و شكرا و سمعة طيبة تضاف إلى سمعتها المشرفة.

و لم تكن السلطات السويسرية بالتأكيد تدري نوايا الحبيب بورقيبة الخبيثة، و أهدافه من وراء هـذا اللقــاء الذي كان عبارة عن عملية جس نبض للشهيد صــالح بــن يــوسف، طامعا من وراء ذلك وهو ماسك بزمام سلطة البلاد، أن يشعر الشهيد بأنه القوي و من  مركز قوته يصفــح عنه، و يدعوه للعودة للبلاد تحت ستار انتهاء الفرقة و الانقسام و الائتلاف.. فإذا عاد كان في ذلك نهاية له لأنه يصبح تحت رحمة بورقيبة و جهازه البوليسي. و إذا رفض العودة، كان ذلك دلالة على انه متشبث بأفكاره، و مصمم على السير في طريق مكافحة  البورقيبية  مما يستدعي معه تدبير  خطة للخلاص منه في الخارج.

و هذا ما حدث فعلا. فالشهيد بن يوسف الذي كان يعيش في القاهرة التي وجد بورقيبة انه من العسير عليه أن يقضي عليه فيها. حاول استدراجه إلى أوربا حيث يستطيع القتلة فيها، و تحت حماية الحصانة الدبلوماسية، أن ينفـــذوا الجريمة.

و قد شعر الشهيد على ما يبدو بالمكيدة التي تدبر لـــه، فرفض مقابلة بورقيبة في سويسرا، و لكنه و تحت إلحاح السلطات السويسرية و الضمانات التي قدمتها له  بالحمــاية، وافق على المقابلة شريط وجود ممثلين عن السلطات السويسرية ضمن قاعة الاجتماع. و أن يعامل السيد صـالح بن يوسف نفس المعاملة  التي يعاملها بورقيبة نــدا لند و ألا يعامل  بورقيبة كرئيس دولة و السيد صالح كرجل عادي. و ضمن هذه الشروط التي وافقت عليها السلطات السويسرية، قبل السيد صالح بن يوسف، و قد جرت المقابلة على الشكل التــالي :  دخل  بورقيبة الصالون الذي كان يوجد فيـــــه أفراد من الشرطة السياسية السويسرية بعد أن خرج من غرفة نومه، التي كان يوجد فيها كل من وسيلــة بن عمار و علال  العويتي و بشير زرق العيون و توفيق ترجمان، و ذلك في اللحظة التي دخل فيها السيد صــالح إلى الصالون. و مـد بورقيبة يده لمصافحة صالح، لكن هذا رفض مد يده إليه. فلقد أبى على نفسه أن يصافح اليد التي  وقعت اتفاقية الخيانة مع فرنسا. و جرى بعد ذلك الحديث التالي :

–         الحبيب بورقيبة :

« إنني أحترمك كثيرا، و أريد أن نتعانق و أن ننتهي من خلافاتنا، التي لم تعد لها في الواقع يسبب يذكر. خصوصا و قد أحرزنا استقلالنا. إذن فلنضطلع بهذه المهمة معا. أما الباقي فقد كنت أنا على حق. و كنت أنت مخطئا. ذلك لأن الاتفاقيات الفرنسية /  التونسية، لم تكن خطوة إلى الوراء، بل كانت خطوة غلى الأمام ».

–         صالح بن يوسف  :

« ليس صحيحا. مازلت أعتبر الاتفاقيات، خطوة إلى الوراء. و الاستقلال الصوري، الذي تحدثني عنه، ليس إلا كارثة على تونس و الثورة الجزائرية. التي اعلم بأنك تتآمر علها. و أن هذه العصابة التي تحيط بك، لا تشجعني على مصافحتك. بالتالي على معانقتك. أما الاستقلال الصوري، فإنه لم يتم الحصول عليه إلا بفضل معارضتي للاتفاقيات. و للتأكد من ذلك عليك الرجوع إلى تصريحات ادغافـور و بينـو و آلاي سفاري و جي مـولـي في البرلمــان الفرنسي في جوان 1956″. (و كان القادة الفرنسيون قد أكدوا في تصريحاتهم أما الجمعية الوطنية في جوان (حزيران) 1956 على أهمية بروتوكول 20 مــارس 1956 لإيقاف الثورة التونسية بقيادة صــالح بن يوسف و قطع كل محاولة لمساعدة الثورة الجزائرية و منع دخول تونس الجامعة العربية عن طريق  هذه الإتفاقيات و تكريس زعامة بورقيبة صديق فرنسا الذي سيضطلع بكل هذه المهام و يمنع تونس من لعب دورها العربي المأمول و تحطيم الدفع القومي العربي الذي يتزعمه عبد الناصر نحو شمـال إفريقيا). و استأنف صالح كلامه قائـلا:  » و عليك أن تعلم، أنه لولا إلحاح سويسريين لمقابلتك لما قابلتك، نظرا لخيانتك التي لا تستحق إلا الصفح ». و قد عرت بورقيبة الدهشة. و استشاط غظا من كلام  السيد صالح الذي كان صفعة قوية  له.  و فضحا لسياسته. فقال بلهجة حاقدة :  » مازلت مصرا على قصر نظرك ». و كان رد السيد صالح صفعة قوية على وجه بورقيبة.       و توتر الجو و انقلب الاجتماع إلى هرج و مرج و اضطرت الشرطة السياسية السويسرية للتدخل و إخراج السيد صالح من الصالون. و عاد بورقيبة إلى غرفة نومه بعد أن تعرض لهزيمة شنعاء و إهانة سياسية عميقة، و الحقد يأكل قلبه على رجل مصمم على متابعة طريقه الوطني و غير مستعد للتخلي عن أفكاره           و مبادئه و كانت هذه المقابلة  الصاخبة حاسمة  فقرر بورقيبة بدفع من وسيلة بنت عمار التخلص منه، و كلفت صهرها توفيق الترجمان و بشير زرق العيون باللحاق بالسيد صالح. (و كانت الشرطة السويسرية قد اصطحبته باتجـاه  الحدود الألمانية) حتى يسترضوه و يهدئوا من غضبه، ليسهل عليها بعد ذلك  تنفيذ الفكرة  الجهنمية التي قرروها. و فعلا وصلا قبل مغادرة السيد صالح الحدود و طلبا مقابلته. و قد قبل صالح مقابلة بشير زرق العيون نظرا للقرابة رافضا حضور توفيق ترجمان. و خاطبه بشير قائلا: « سيدي صالح، لقد ارتكبت خطأ كبيرا. فقد كان عليك أن تقبل العودة بالعـودة للوطن لتخلصنا من هذا الملك الجديد، الذي تجاوز في نزواته و استبداده، ما قام به البايات الذي يدعـى دوما أنه خلعهم. و من ناحية أخرى ، لقد تمكنت بعد ذهابك من إقناع بورقيبة، و بفضل مجهودات وسيلة، التي لا زالت تحتفظ لك بنفس العاطفة الحارة !! بإبقاء باب الحوار مفتوحا، فإذا كنت موافقا فإن وفدا سيأتيك  للاتفاق على إجراءات مقابلة ثانية و لا تخشى شـرا، فسأكون أنا ابن خالتك ضمن الوفد و أن يكون لقاؤك الثاني  معه بعد شهرين أو ثلاثة، تكون خلالها جراح اللقاء الأول قد ضمدت، أما  المكان فليكن  بيروت مثلا أو ألمانيا.   

و عاد صالح للقبول بمبدأ التفاوض آخذا طريقه نحو القاهرة. و بدأ سيل البرقيات عليه. طالبة تحديد تاريخ و مكان اللقاء، و لكن السيد صالح لم يعرها انتباها، و لم يعط أي جواب.

و لكن يد الجريمة كانت تستعد و المجرمون ينتظرون اللحظة المواتية. و كان ذلك  في شهر أغسطس (آب) 1961 و في مدينة فرانكفورت في ألمانيا الغربية. و من الأهمية بمكان أن ما أذكره الآن مأخوذ من وثائق الشرطة اللألمانية – السويسرية و التقرير  العام للسيد جروسمان النائب العــام لمدينة فرانكفورت.

القصــة كما جـرت  :

في 2 جوان (حزيران) سنة 1961، توجه السيد صالح بن يوسف إلى ألمانيا الغربية مصطحبا زوجته و أولاده بقصد عرض نفسه على طبيب خاص. و علم المجرمون في تونس بسفره بعد أن أجبر السلطات المصرية على السماح له  بالمغادرة  بعد إصرارها على عدم الموافقة على سفره  لخوفها على حياته فسارع  بشير زرق العيون بإرسال شريكه التجاري المزعوم الصادق بن حمزة إلى فرانكفورت الذي قابل السيد صالح برفقة ابن تربوط (ابن أخت زرق العيون) بقصد التمهيد للمفاوضات وهي الوسيلة التي اتخذوها لدراسة ميدان الجريمة و طريقة تصفية صالح. و بعد رجوعهما إلى تونس ووضع اللمسات الأخيرة في خطة الاغتيال و تفصيلاتها و أخذ موافقة بورقيبة و وسيلة و شخصيات مسؤولة أخرى عليها،أخذ القتلة طريقهم إلى سويسرا في مطلع  أوت (آب) 1961 مزودين بجوازات سفر دبلوماسية بأسماء مستعارة و سلمت لهم بأمر من السيد الطيب  السحباني الذي كان أمينا عاما لوزارة الخارجية، حاملين بطاقات سفر من شركة  الطيران السويسرية (فرع تونس) و لا تزال السلطات الألمانية و السويسرية تحتفظ بقسيمات هذه التذاكر. و من  هنا نستطيع نكذب مزاعم بورقيبة  في خطابه  بأن التذاكر اشتريت بالتبرعات المالية. و قد تم الاتصال الهاتفي من سويسرا بالسيد بن تربوط الذي كان طالبا في مدينة هامبورغ و كلف  باستقبال القتلة في فرانكفورت و قد حجز القاتلان في فندق روايال بمدينة فرانكفورت و من هذا الفندق اتصل  ابن تربوط هاتفيا بالسيد صالح الذي كان في مدينة فيسبادن و ذلك يوم 11 (آب) 1961 حوالي الساعة الرابعة مساءا.

و عندما تأكد ابن تربوط من أن المناضل صالح بن يوسف سيغادر في نفس اليوم مدينة فرانكفورت متجها نحو كوناكري لحضور مؤتمر الحزب الديمقراطي الغيني كمدعو شخصيا من طرف السيد سيكوتوري، بذل ابن تربوط كل جهده لدرجة التضرع لحمل صالح على مقابلة بشير زرق العيون لترتيب أمر  المفاوضات و عندما سأله عما إذا كان بشير برفقته ادعى بأن الأخير يسوي بعض الإجراءات في قاعة استقبال الفندق و أنه لن يتأخر  طويلا للصعود إلى الغرفة   و عندئذ وافق صالح على المقابلة و طلب  من ابن تربوط أن يخبــر بشير زرق العيون بانتظاره في الفندق الساعة السادسة مساء بالضبط لأن موعد إقلاع الطائرة  من فرانكفورت باتجاه زوريخ سيكون في الساعة الثامنة.

غادر السيد صالح فيسبادن مباشرة برفقة زوجته إلى فرانكفورت قاصدا فندق روايال للوفاء بعهده و حضور المقابلة. و قد لاحظ عند وصوله الفندق بأنه لا يوجد به صالون يذكر فرأى من الضرورة و الأفضل ترك زوجته تنتظره في مقهى مجاور مؤكدا لها أنه لن يتأخر أكثر من نصف ساعة.

و من هنا يتأكد لنا أن اختيار الفندق تم بعناية فلو كان يوجد فيه صالون يسمح بالاجتماع  لما استطاع القتلة تنفيذ جريمتهم أمام الناس، و هكذا اضطر السيد صالح  لمرافقة  ابن تربوط الذي كان بانتظاره إلى الغرفة التي ادعى  بأنها غرفة بشير زرق العيون و التي كانت في الحقيقة غرفة القتلة و بعد وصولهما إلى الغرفة لاحظ السيد صالح  أن بشير زرق العيون غير موجود و لكن ابن تربوط أكد له أنه لن يتأخر و رجاه انتظاره قليلا فجلس السيد صالح على مقعد معد يكون فيه ظهره مقابلا لحمام الغرفة التي خرج  منها القاتلان (الورذاني و علي ورق)  و أطلق احدهما النار على السيد صالح من مسدس فأصابه خلف أذنه و أرداه قتيلا و غادر المجرمان الفندق فورا بسرعة كبيرة حيث ركب الطائرة التي كان سيركبها صالح بن يوسف إلى زوريخ و التحقوا بزرق العيون الذي كان بانتظارهم مع السفير توفيق الترجمان و انقسمت العصابة عندئذ إلى فريقين فريق سافر إلى تونس عن طريق روما  و أخر  عن طريق جنبف.

و فيما يلي بعضا من شهادات الشخصيات الهامة وهي مسجلة في وثائق  المعارضة الوطنية التونسية التي سلمتها إلى النائب العام الفدرالي الألماني. و لنبدأ من البداية.

الشهادة الأولى : الطيب المهير وزير الداخلية التونسية

قبل الإغتيال :  

في نهاية شهر ماي (ايار)1961 وصلني مبعوث من طرف وزير الداخلية التونسية آنذاك السيد الطيب المهيري يطلب من ألا أدع صالح بن يوسف يغادر مصر إلى ألمانيا لأنه معرض للاغتيال. و رفض المبعوث أن يعطيني أية تفاصيل أو معلومات رغم إلحاحي الشديد. فسارعت لإبلاغ السيد صالح ذلك موضحا  له أن هذا يتطابق مع ما أسر لي به محمد صفر و مسؤول في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. و لكن السيد صالح لم يعر هذا الأمر أي اهتمام مما دفع بي إلى إعلام السلطات المصرية بالأمر و بالتحديد السيد محمود رياض (مستشار الرئيس سابقا و الأمين العام للجامعة العربية حاليا) راجيا سحب جواز سفره و منعه من المغادرة. و للتاريخ أقول بأن المسؤولين المصريين لبوا هذه الرغبة         و سحبوا الجواز و لكن السيد صالح رحمه الله استنكر العملية و طاف  بالسفارات العربية     و الإفريقية منددا بالنظام الناصري الذي يمنعه من مغادرة مصر  للعلاج فما كان من الرئيس الراحل عبد الناصر ألا أن  أمر بالسماح له بمغادرة البلاد.. لقد تسرع الشهيد صالح و لو انصاع للرجاء و تمهل لأنقذ حياته و لكنه قدره الذي جره إلى حيث ينتظره المجرمون.

الشهادة الثانيـة : محمد صفــر

عضو الحزب الدستوري الجديد و نائب في البرلمان التونسي و رجل أعمال.

عندما كان السيد محمد صفر متوجها إلى طهران عن طريق القاهرة في ماي (ايار) 1961 اتصل بي هاتفيا و طلب مني مقابلته في فندق هيلتون و قد تم اللقاء و كان يصحبه ابن محمد شنيق رئيس الحكومة سابقا و الذي  كان يجلس غير بعيد منا.

و قد تكلم السيد صفر بصوت خافت و طلب مني أن اخطر السيد صالح بأن بشير زرق العيون يدبر محاولة  الاغتيال و أنه لا يجوز أن يغادر التراب المصـــــري و قد ذكر أنه خلال زيارة له لبورقيبة لاحظ أنه كان في حالة غضب عنيف و أطلعه على رسالة من صالح تتضمن شراء أسلحة و إعداد مؤامرة ضد النظام. و أردف قائلا: أصارحك بأنني أطلعتك على هذا لأنني مازلت احتفظ بعاطفة صادقة للسيد صالح فهو الذي دفع بي لتبني أفكار الحزب. و إذا كنت الآن في صف بورقيبة فإن هذا ليس عن اقتناع سياسي و إنما لمصلحة مادية و اتقاء الخطر فلا تنسى أنني رجل أعمال  و ملاك و لا شك أن السيد صالح يعرف هذا جيدا و لا بد أنه يغفر لي ذلك. و لكن و طالما أن حياة السيد صالح في خطر فإنني أعتبر من واجبي أخطاره و أطلب منه إن تتوسل إليه عن لساني أن يرفض كل اتصال بزرق العيون و أتباعه.

و قد اطلعتا السيد صالح على ما دار بننا فكذب تكذيبا قاطعا وجود الرسالة المزعومة التي تحدث عنها محمد صفر و طلب مني إخبار الصحافة بذلك، و نفى ادعاءات بورقيبة مضيفا بأن الهدف من كل  ذلك هو شل  نشاطه السياسي و بأن محمد صفر لو كان صادقا    و لم يكن غدارا لقابله شخصيا.

و لا شك أن السيد صالح بن يوسف لم يكن مقتنعا بكل ما قاله محمد صفر و زاد من شكوكه موضوع الرسالة المزعومة كما أسلفت.

الشهادة الثالثــة : مبعوث الحكومة المؤقتة الجزائرية

خلال شهر مايو (ايار) 1961 زارني مبعوث خاص من طرف الحكومة المؤقتة الجزائرية (اعتذر لعدم إمكاني ذكر اسمه حاليا) و أخبرني بأن بورقيبة  يعتزم اغتيال السيد صالح أثناء سفره خارج مصر و قد قال  بالحرف الواحد : « لمصلحة  السيد صالح بن يوسف  الخاصة و تونس و لصالح استمرارية الثورة الجزائرية التي تعتبر سي صالح عامل ضغط رئيسي على بورقيبة و تحديد مواقفه من ثورتنا و شوكة في حلقه فمن واجبك اخطاره بالا يرتكب خطأ هذا التنقل و عليه بالصبر حتى النصر النهائي لثورتنا التي ستمحى كل أثر للنظام البورقيبي و لكل اقطاعية في المغرب العربي »

الشهادة الــــرابعــة : ابـــراهيــم طـوبـال

في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 12 أغسطس (آب) 1961 كلمتني صوفية بن يوسف بالتلفون من فرانكفورت و لم استطع أن أفهم صراخها و كلماتها المتقطعة، و الممزوجة بالبكاء و النحيب. و بعد دقائق كنت عند المسؤولين في رئاسة الجمهورية المصرية الذين أتوا بتسجيل المكالمة من إدارة البريد و للاسلكي و عرفنا سر بكاء السيدة حرم الشهيد إنها تصرخ بي من فرانكفورت.. مات صالح يا إبراهيم .. قتل صالح يا إبراهيم.. مات… قتلوه.. غدروا به المجرمين.. أقدم خوذ أول طائرة.. و في الحين استقبلني الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي بادرني بالتعزية و ملامح  الحزن بادية على وجهه : « الحبيب عرف يوقت عمله هـذا… إنه لمجرم .. مجرم… استغل  قضية بنزرت… و تحريرها… كل الأنظار متجهة نحو المعركة.. كل الشعوب العربية  تعمل لمساندة كفاح شعب تونس في معركته البطولية في بنزرت… في هذا الوقت بالذات يضرب سي الحبيب المجرم ضربته بهذا الأسلوب الجديد… هذه بداية سيئة و نموذج جديد في القضاء على الخصوم السياسيين و انه ليخيل لي أن بورقيبة بما يتصف به من مكيافلية سوف يبعد عنه أصابع الاتهام فيطالب ألمانيا بجثمان صالح و يدفنه بمظاهرة كبرىو يؤبنه إذ لزم الأمر عاملا بالمثل القائل : يقتل القتيل و يمشي في جنازته. يا أخ إبراهيم ما عليك إلا أن تسافر توا إلى ألمانيا و ترافق الجثمان إلى مصر   و أنني من جهتي سآمر بالاتصال بالسلطات هناك لكي يكونوا في مساعدتك ».

عندما وصلت مطار فرانكفورت يم 13/8/1961 وجدت في انتظاري النائب العام الفدرالي و مدير الأمن اقتاداني إلى المشرحة حيث شاهدت جثمان الشهيد و كان الوداع الأخير ثم رافقني إلى مدينة فيسبادن عند السيدة صوفية حرم السيد صالح بن يوسف و هنا أبلغنا النائب العام ببعض ما توصل إليه البحث الأولي وهو أن قاتلي صالح بن يوسف دخلا ألمانيا من سويسرا بجوازات سفر تونسية و بأسماء مستعارة (النعار – الجندوبي) و أن الجوازات أصدرتها سفارة تونس في « برن » و أن المدعو بشير زرق العيون كان في زوريخ أثناء الاغتيال و غادرها  مصحوبا بثلاثة أشخاص ثم يسألني عما اعرف عن بن تربوط      و رزقي و الصادق بن حمزة و بعدها وضعت معهما الترتيبات اللازمة لنقل الجثمان إلى القاهرة و كان علينا أن ننتظر أربعة أيام إلى أن تتم كل التجهيزات. و في صبيحة 14/8/1961 طلبت مقابلة وزير الخارجية في بون فاعتذر الوزير و حدد لي موعدا مع وكيل  الوزارة الذي  فاجأني بقوله بعد التعزية :

« مسيو طوبال : إننا نعلمك شفويا، أننا نعرف من هم قتلة صديقك و رفيقك و من الذي سلحهم و أرسلهم و كيف دخلوا بلادنا، و من الذي سهل لهم الدخول و اجزم لك أن في درجي هذا (و أشار إلى درج مكتبه) كل الملف الخاص بالقضية … إلا أن ألمانيا أيها السيد عاجزة في هذه الفترة بالذات، فترة أزمة  برلين عن أن تصرح أو تعلن أي شيء ».

لقد كانت شجاعة كبيرة منا أن يقول النائب العام الفدرالي ما قاله أول أمس إلى الصحافيين: « أن الذين قتلوا صالح بن يوسف يحملون جوازات سفر تونسية و قد غادروا الأراضي الألمانية فور اقتراف فعلتهم. لقد كان هذا التصريح كافيا لتحديد القتلة، لا تطلب منا أكثر من هذا ».و على كل أنني على استعداد أن أضع أمامكم الدوسيه الخاص بالقضية لتقرأه لا غير. و لكنك إذا أذعت شيئا من محتوياته مستندا إلى مصادرنا و ذكرتنا فسنضطر إلى تكذيب ما ستذيعه. و أخرج من درج مكتبه ملفا من عشر أوراق تقريبا، مكتوبة بالألمانية      و لما كنت أجهل هذه اللغة طلبت مترجما. فأتي بأحد المترجمين الذي قرأ لي ما يلي :

« ثـــــلاثة تونسيين، دخلوا فرانكفورت، بالطائرة و كان معهم تذاكر سفر « سويسرا اير » و يحملون جوازات سفر تونسية و أسماء مستعارة (لم يذكر الأسماء) معطاة لهم من طرف السفارة التونسية في « برن » بعد أن سحبت منهم جوازاتهم الصحيحة، و طلبت السفارة التونسية ببرن من السلطات السويسرية اعتماد الجوازات الجديدة، لكي يتمكنوا أصحابها من الرجوع إلى تونس معللين ضياع جوازاتهم الأصلية. و قد أبلغت السلطات السويسرية أمس السلطات الألماني بقصة الجوازات هذه كما وعدت بإرسال الصور الشمسية لهؤلاء الأشخاص » و كان المترجم يقرأ من غير ذكر للأسماء، بل كانت ترجمته مبهمة و متقطعة. طلبت أن أعطى أسماء هؤلاء التونسيين الثلاثة و أن يتمهل في القراءة حتى يتسنى لي استيعاب البحث الأول. و ما كان من وكيل الوزارة إلا أن أمر المترجم بقفل الملف مشيرا لي: « إن هذا الملف لن يضيع انه موجود عندنا، إذا وصلتم للحكم يوما ما في تونس، فسأكون أنا شخصيا من يقدم ملف تحقيق هذه القضية ».

فكان ردي عليه ما يلي :

سيدي الوكيل، إنك لا شك على علم بكل اتصالاتي ليلة أمس و صباح اليوم مع بعض السياسيين الحزبين الموالين و المعارضين للحكم و جميعهم أكدوا لي ما قام  به من ضغط على حكومتكم سفير الولايات المتحدة الأمريكية و أقنعها بطي ملف  هذه الجريمة كما أنكم استقبلتم أمس سفير تونس السيد نجيب البوزيري الذي  أبلغكم رسالة من الرئيس الحبيب بورقيبة يهددكم بالاعتراف بألمانيا الديمقراطية أن تمادي النائب العام في اتهام النظام التونسي بنشره حقائق هذا الملف الذي بين أيديكم.

إذا، ليس لي سيدي الوكيل إلا أن أسجل احتجاجي الشديد مع استنكاري المليء بالمرارة على موقف حكومتكم الشاذ أما جريمة وقعت على أرضها و استخفافها بالعدالة      و إسكاتها باسم السياسة، و بهذا فإن حكومتكم هدمت إحدى دعائمها الأربع. و لم أنتظر رده، استأذنته و غادرت مكتبه لإتمام إجراءات نقل الجثمان إلى القاهرة.

الشهادة الــخامســـة : صوفية زهير حرم الشهيد صالح بن يوسف

دق جرس الهاتف في غرفتنا في فندق فيسبادن.. و أخذت السماعة و سألت من الطالب فرفض المتكلم إعطائي اسمه، و اكتفى بطلب التحدث إلى سي صالح فناولته إياه.

–          صالح : على السلامة… هذا لا يمكنني… إنني على أهبة السفر سأترك الفندق بعد ظهر اليوم إلى كوناكري (غينيا)، تلبية لدعوة وجهها إلي الرئيس سيكوتوري لحضور مؤتمر حزبه، فإذا كنتم مصرين على اللقاء، فأرجو أن يكون ذلك عقب رجوعي بعد عشرة أيام على الأكثر … طال الجدال على التلفون…

–         صوفية : فهمت من خلال الجدل أن المتكلم يصر على رؤية صالح… و تحديد موعد له… و صالح يحاول عبثا تأجيل اللقاء… و أخيرا سمعت صالح يستسلم للإلحــاح و يقول :

–         صالح : حسنا… أستطيع أن أقابلكم في المطار لمدة نصف ساعة ، قبل إقلاع الطائرة إلى زوريخ و عاد الجدل ثانية… فهمت أن المتكلم طلب من صالح مقابلته في فندق قرب محطة السكة الحديد… فأجاب صالح …

–         صالح : حسنا… فليكم على الساعة السادسة مساء. أين… لا أعرف هذا الفندق. تقول أوتيل « روايال » قرب المحطة.. حسنا ثم  طلب مني صالح إحضار مفكرته و أخذ يرسم  عليها عنوان و خارطة مكان اللقاء، و انتهت المكالمة.

و في الساعة الخامسة غادرت و زوجي « فيسبادن » بطريق القطار متجهين إلى « فرانكفورت » و عند وصولنا اتجهنا إلى فندق « روايال »، كان على بعد أمتار من المحطة     و لم يكن فيه صالون فقال لي صالح… امكثي يا صوفية في المقهى المجاور للنزل… سأراهم لمدة نصف ساعة و سأعود لك بعد تحديد موعد آخر معهم… غادرت الفندق و رأيت صالح يركب المصعد مع شاب اسمر لم أر ملامحه جيدا.

انتظرت حتى الساعة السابعة الاربعا، و لكنة لم يأت. و استغربت هذا التأخير لأن علينا أن نكون في المطار في تمام الساعة السابعة… قلقت جدا و اتجهت إلى الفندق و سألت موظف الاستعلامات الذي ابلغني أنه استلم توا العمل من زميله السابق و لم يطلع على شيء فقلت له هل هناك تونسيون بين نزلاء الفندق ؟ فأجاب بعد أن اطلع على الدفتر بالإيجاب قائلا : هناك سيدان تونسيان. فأخذت المصعد برفقته و طرقت باب الغرفة التي ينزل بها أحدهما. فلم أسمع صوتا ما داخلها. فتحت الباب و يا لهول ما رأيت… رأيت صالح ملقى على المقعد، يلهث و الدماء تنزف من مؤخرة رأسه و يداه مفتوحتان و قلمه و مفكرته ممزقة على الأرض بجوار حقيبته اليدوية. فأخذت أصرخ بدون وعي إلى أن فقدته و لم أفق إلا في غرفة أخرى قيل لي إنها في المستشفى.

الشهادة الــسادســـة – نوفمبر (تشرين الثاني) 1963 : محمد المصمودي

كان محمد المصمودي من بين الشخصيات التي دعيت لحضور احتفالات أول نوفمبر في الجزائر سنة 1963، و لدى وصوله طلب مني مقابلته عن طريق  صديق جزائري مشترك هو التاجر السيد بوعلام و قد جرت المقابلة في صالون فندق السان جورج في الجزائر العاصمة و قدم لي المصمودي الهادي بكوش رئيس الشبيبة الدستورية آنذاك و والي بنزرت و صفاقس فيما بعد و نزيل السجن في قضية السيد احمد بن صالح و قد عرض المصمودي علي الرجوع إلى الوطن فكان جوابي أن دعوتي  مرهونة بتلبية شروطي الخمسة (التي لا داعي لذكرها هنا) مع إلحاحي على محاكمة قتلة الشهيد صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الدستوري. فرد المصمودي علي مبتسما قائلا بأن هذا الشرط لن يقبل أبدا لأن ذلك سيؤدي لا ريب إلى حمل بورقيبة – العريس الجديد- على تسليم زوجته للعدالة. فقلت : و لكن لماذا زوجته بالذات ؟ عندها قال : « لقد أخبرني زرق العيون بكل شيء ».       و أكد لي بأن وسيلة بنت عمار كانت هي الدماغ المحرك لعملية الاغتيال مضيفا : « و دليلا على صحة ما أقول  إليك ما يلي : أن وسيلة التي تعرف بورقيبة منذ 1943 لم تستطع في يوم من الأيام أن تصبح زوجته الشرعية لأنه كان يعتبر نفسه رجلا منتهيا سياسيا و مقضيا عليه بسبب المعارضة النشيطة التي يتزعمها صالح بن يوسف. و لذا لم تكن بإمكانها أن تصبح السيدة الأولى في البلاد إلا إذا تمت تصفية صالح. و هذا ما اضطلعت به بنجاح مما حمل بورقيبة على جعلها زوجـة شرعية له. و لكن حسب رأيي الخاص، فإن وسيلة أصبحت تجسم الوجود السياسي و الجسمي و النفسي لدرجة أنها استطاعت فصل أحد البوقيبيين – الذين لا يقولن حماسا عني – من المكتب السياسي و الحكومة و الحزب. و من جهة أخرى فإن هذه المرأى الشيطان تحقد علي بعنف لأنني لم اقبل منذ 1958 التزوج من ابنتها.          و بالإضافة إلى هذا فإن ما يزيد من حقدها و كرهها هو رفضنا البات – أنا و زوجتي – المشاركة في الليالي الحمراء التي تنظمها في القصر باتفاق متواطئ مع شقيقتها نائلة عمار بغية إشباع مختلف  الغرائز الفاسدة و المنحرفة لبورقيبة ».

الشهادة الــسادســـة (2)  : محمد المصمودي ثانية

خلال صيف 1964 و بينما كان المصمودي معرجا على القاهرة طلب مقابلتي في فندق شيبرد حيث كان نازلا. ولدى وصولي وجدته برفقة الحبيب بن الشيخ وزير البريد       و المواصلات سابقا. و بدأ المصمودي الحوار هكذا : « لقد قبل يوسف الرويسي الرجوع إلى الوطن دون أي شرط يذكر. فهل أنت مستعد لتفعل مثله ؟ » فكان جوابي : « لقد أخبرتك بشروطي الستة في الجزائر. إلا لأني مستعد للتخلي عن الشروط الخمسة ما عدى شرطا واحدا وهو سبب رئيسي و أساسي بالنسبة لي. حسب رأيك أن بورقيبة ليس متهما في اغتيال الشهيد صالح بن يوسف. فليكن و ماذا ينتظر إذن للتخلص من المتهمين الحقيقيين              و محاكمتهم ؟ فإن هو فعل  يكون قد رد لصالح بن يوسف اعتباره و كذلك للشهداء الآخرين. و يكون بالتالي قد رد اعتبار أنصار الأمين العام للحزب الدستوري. ثم و بفضل هذا يكون قد أعاد الوحدة الوطنية ».

فأجابني المصمودي بأن « الإبقاء و التعلق بهذا الشرط معناه المحافظة على الشروط الخمسة الأخرى. و لئن يبقى لبورقيبة إلا مغادرة البلاد و التخلي عن مركزه إليك » فكان ردي، إنني لا أزعم الاستيلاء على السلطة، ثم و بالخصوص  أفكاري الوحداوية كمناضل قومي عربي تجعل نظرتي تتجاوز كثيرا إطار ما يسمى « بالامة التونسية ». فلم يكن للمصمودي إلا أن أجاب بحرارة « إن كان الأمر كذلك يا سي إبراهيم فإنني أؤكد لك بأن بورقيبية بورقيبة، يمكنها أن تصبح بالنسبة لك صاروخا قاذفا، يقذف بك عاليا… عاليا جدا… إلى ما وراء السماء و الأرض ». فقلت بنفس الحرارة : « حبذا ذلك إنني عندئذ من مناضل وحدوي قومي عربي سأصبح سياسي تمتد أفكاره و نشاطه إلى الكون اللانهائي ».

الشهادة الــسابعـــة : 1964 محمد بدرة سفير تونس بالقاهرة آنذاك

تم اللقاء مع المذكور أعلاه – في إحدى الليالي- في مقر سكناي بالقاهرة  و بحضور صحافي مصري وهو صديق حميم مشترك. و تحدثا إلى محمد بدرة منتقدا النظام القائم في تونس فقال :  » إن خالي سي صالح يتمنا في بلادنا بتركه لبورقيبة يفعل  بنا ما بدا له، بما في ذلك الإهانة، التجريح، الاحتقار… الخ و من الواضح أن بورقيبة هو الذي اغتال خالي صالح بأيدي زبانية وهو بشير زرق العيون، بن حمزة الصادق، الورداني و علي ورق ».

فأكدت له عندئذ بأن الشعب التونسي يعرف ذلك جيدا، و أن الحقيقة لا ريب ستظهر في يوم من الأيام. ثم أضفت بما أنه يعرف الواقعة و المؤامرة بتفاصيلها و الاغتيال البشع، فليس له من مبرر إطلاقا يحمله على المشاركة في حكومة نذلة، أياديها ملطخة بدم خالك الزعيم الشهيد صالح بن يوسف. و أنه  بمشاركته هذه، يؤكد تضامنه مع هذه الحكومة،       و مسؤوليتها الشخصية في هذه الجريمة. و لاحظت له أيضا أن كلا من الباهي الأدغم و ابن صالح و المستيري و المهيري، و سليم، و بالحاج عمار، و فارس، و التليلي، و ادريس،      و المسعدي، و المقدم، و ما يتبعهم، ليسوا أكثر « بــراءة » منه ذلك أنهم تحملوا و ما زالوا يتحملون مسؤولية معنوية ضخمة في هذه الجريمة النكراء. حيث أنهم لم يجرؤوا على مصارحة الشعب و العالم بالحقيقة المأساوية عارية لا غبار عليها و أن  خداعهم يتجسم في سكوتهم و صمتهم المخزي.

تعلو وجهه حمزة الخجل و الذنب و دمعت عيناه. ودعني بهذه الكلمات .. « أعانكم الله و ليرعاكم و يحفظكم بالخصوص ».

الشهادة الــثامنـــة : شهادة أحمد بن صالح وزير التخطيط و اقتصاد و المالية و الفلاحة    و التعليم  سابقا   

بعد فراره من سجن تونس و التجائه إلى الخارج اتصل بي الأخ أحمد بن صالح الوزير السابق و زعيم حركة الوحدة الشعبية حاليا و طلب مني زيارته في محل إقامته في مكان ما.

فلبيت طلبه و تقابلنا و من جملة ما سرده من الأحداث التي مرت به خلال تعاونه مع بورقيبة في حكم تونس تطرق الحديث عن اغتيال صالح بن يوسف فأكد لي أن الدافع للقتل هو بورقيبة (و هذا قبل أن يعلن بورقيبة في محاضرته عن مقتل صالح بن يوسف بعام واحد) ثم استرسل قائلا : بعد الحــادث الإجرامي الذي هز الحزب و الشعب و بعض أعضاء الحكومة بأقل من سنة اتصل بي الحبيب بورقيبة و طلب مني أن أزوره في قصره.

فذهبت إليه و كان معه بعض من رجاله المقربين، فأخذني على جانب من ركن في صالونه و قال لي بصوت خافت و بالحرف الواحد : « يا سي أحمد ابلغني أمس البشير زرق العيون انه اتصل بك و طلب منك بعض تراخيص توريد بضائع من شركات فرنسية فلم تلب طلبه، وهو يطلب مني التوسط لديك فأجبته خيرا و لذا أرجوك قضاء حاجاته و تلبية مطالبه مستقبلا فهو يستحق أكثر من هذا لأن نضاله في الحزب قديم قدم الحزب و له أفضال لا تعد على الحركة الوطنية    و على النظام نفسه و علي شخصيا و أنت تعرف أنه لا يرد له طلب مهما كبر. و لا أخفيك سرا أن لولاه لما بقينا في دفة الحكم في تونس لا أنا و لا أنت… فقد خلصنا من الأفعى صالح بن يوسف بقتله. ألا ترى يا سي أحمد أنه يستحق تقديرنا جميعا فما بالك في إعانته في صفقة تجارية يعقدها و يعيش منها و يكون بها مستقبله. إذا فما عليك يا سي أحمد في المستقبل ألا أن تلبي طلبه و تعطي له كل حاجياته.

Laisser un commentaire