خطاب بورقيبة : احداث ايفني بالمغرب والقصبة بالجزائر

 1957خطاب المجاهد الأكبر في 12 ديسمبر

أحداث ايفني بالمغرب والقصبة بالجزائر 

 

الاحداث التي جدت في الاونة الاخيرة واكتسبت صبغة كفاح مسلح لا يمكن السكوت عنها، وهي كلها ترجع الى سبب اصلي طالما نددنا به وحذرنا العالم ن اثاره السيئة، ،اعني به النزعة الاستعمارية التي مازالت مسيطرة على بعض الاذهان، وحتى الدول التي يبدو انها رجعت الى الجادة وابتعدت عن التشبث بالهيمنة الاستعمارية بقيت تشعر ببعض الحنين الى الماضي، والدليل على ذلك هذه الحوادث التي كانت منطقة (سيدي ايفني) بالمغرب الاقصى مدانا لها منذ اسبوعين.

لفقد ظننا باديء بدء ان الامر يا يعدو ان يكون من قبيل الحوادث البسيطة فاذا بهذه الحوادث تتطور الى معارك حربية بمشاركة الطائرات المدافع والدبابات وبادرت اسبانيا بارسل نجدات عسكرية لتأجيج لضى المعارك، في حال ان تلك الدولة كانت قد اعلنت عن استعدادها للتخلي عن منطقة سيدي ايفني للحكم المغربي مثل بقية التراب المغربي الذي كان تحت الحماية الاسبانية وذلك عملا عليهما اعظم الامال لاقامة تعاون مثمر بين افريقيا والشمالية عامة وبين اسبانيا. ونرى اليوم انهما بصدد الضياع وعرضه للتلاشي من جراء أمر تافه هولت وءالت الى اغراض بدعوى ان فيها مساسا بهيبة الدولة الاسبانية.

ولقد ذكرتنا استعراضات البواخر الحربية الاسبانية امام مرسى اغادير بما كان يقع في العهد القديم عندما تغضب احدى الدول الكبرى على احد البايات فترسل فرقاطة حربية الى مرسى حلق الوادي وسرعان ما كان ينتهي الامر بتطييب خاطر الدولة الغاضبة وارضائها على حساب مصالحالدولة المغضوب عليها.

 

فض الخلافات بالحسنى

لكن هذا لا يليق صدوره في هذا العصر عن دولة مثل اسبانيا. وانا نفسي وقد سبق لي انت اتصلت شخصيا برئيس دولتها فوجدته في منتهى التفهم لهذه الامور. وهذا ما يزيد في تاسفنا لبقاء هذه الجرثومة الاستعمارية متأصلة في بعض النفوس. في حال انه من ايسر الامور فض الخلافات بالحسنى وعلى اساس التفاهم المفضي الى التعاون الذي هو اجدى بكثير من هذا النزاع على رقع صغيرة من الاراضي الصحراوية، بينما ممتلكات اسبانيا التي كانت لا تغرب عنها الشمس سواء في امريكيا الجنوبية او في الهند الشرقية او في الهند الغربية قد تقلص ظلها بمرور الازمان. فلماذا اذن هذا التشبث بسيدي ايفني او بجانب لا يكاد يذكر من صحراء موريتانيا؟

لكن ما حدث  يعتبر على كل حال خطوة لا بأس بها وحسبك بان قضية الجزائر اصبحت احب من احب وكره من كره قضية تهم الدنيا قاطبة ممثلة في هيئة الامم. ولم تبق قضية خاصة بفرنسا. وهذا ما لاحظناه في الاطوار التي مرت بها هذه القضية في الدورات الثلاث السابقة. وانتم تذكرون انه لما صوتت بعض الدول على ادراج قضية الجزائر اول مرة في جدول اعمال المنتظم الدولي لم يحظ هذا الاقتراح بالقبول ازاء احتجاج فرنسا وتهديدها بالانساحب من هيئة الامم. لكن في المرة الثانية تم ادراج قضية الجزائر اول مرة في جدول اعمال المنتظم الدولي لم يحظ هذا الاقتراح بالقبول ازاء احتجاج فرنسا وتهديدها بالانسحاب من هيئة الامم. لكن في المرة الثانية تم ادراج القضية وتعهدت فرنسا باعطاء بيانات في شأن سلوكها في الجزائر دون ان تعترف بان لهيئة الامم صفة الحكم مما يخولها البت في النزاع بينها وبين الجزائر. لكن مجرد ادلاء فرنسا ببيانات عن سلوكها يدل على ان لهيئة الامم نظرا في الموضوع. وبعد اخذ ورد ومفاوضات طلعت علينا بتلك اللائحة المهلهلة التي يفهم من فحواها ان الجمعية العمومية لهئية الامم تضع ثقتها في فرنسا لكي تصل الى حل عادل وديموقراطي وسلمي لفض المشكل الجزائري. لكن المهم هو ان هيئة الامم اتخذت موقفا في القضية واوضحت الطريق الواجب على فرنسا سلوكها، وكان لسان حالها يقول ان شاء الله تفهم فرنسا الوضع على حقيقته ولا تترك الامور تزداد تعفنا.

فاذا قابل هذا الضغط الخارجي ضغط داخلي وانسجام من قبل المكافحين الجزائريين مع الضعط المتوقع صدوره من الرأي العام الفرنسي نفسه على حكومته في صورة ما اذا طال امد الحرب بدون جدوى ويئست فرنسا من الانتصار العسكري الحاسم، عند ذلك لا تلبث فرنسا ان تنضج للحل الوسط الذي يضمن للشعب الجزائري سيادته وللدولة الجزائرية كرامتها ويحفظ في الان نفسه المصالح الشرعية لفرنسا ويحقق تعاونا مثمرا قائما على اساس حرية الاختيار ودبما شمل افريقيا الشمالية كافة والصحراء التي وراءها وغير ذلك. والرأي الراجح عندي بعد المناقشات في هذىة الامم المتحدة وبعد الموقف الذي وقفته جبهة التحرير الجزائرية وبعد الوساطة التي عرضتها بمعية جلالة الملك محمد الخامس هو انه ما من يوم يمر وتزداد فيه خسائر الحرب ويزداد الضغط الخارجي والضغط الداخلي في فرنسا نفسها الا ويزيد في اقامة الحج في نظر المسوولين الفرنسيين على انه لا جدوى من استمرار الحرب وان الفائدة كل الفائدة في انهاء القتال على اساس احترام كرامة الشعب الجزائري، ونؤمل بل ربما نعتقد ان القضية الجزائرية ستظفر بالحل الملائم لها قبل انعقاد الدورة المقبلة لهيئة الامم لاننا لا نتصور حين تعرض القضية الجزائرية على المنتظم الدولي للمرة الرابعة ان يقتصر النقاش في شأنها على كيفية انهاء الحرب، بل نعتقد انه لم يحن عام 1958 حتى تظهر الحقيقة التي هي الان مطموسة تغشيها دعاية او هي من بيت العنكبوت مؤداها انه في الامكان القضاء على الثورة الجزائرية بالحديد والنار.

 

جو من التوتر يؤسف له

وهذه الدعوى مردها الى آن منطقة سيدي ايفني ألت الى اسبانيا بموجب اتفاق مع سلطان المغرب في عام 1800، وما درت تلك الدولة ان الاستعمار قد فرض على اقطار الدنيا تارة بواسطة اتفاق وتارة بالحرب وتارة اخرى بمحض الحيلة، وهب ان تلك المنطقة افتكت بموجب اتفاق فهل هذا يبرر ابقاءها وقد تغيرت الظروف وانتفت حالة الضعف التي كانت عليها الدولة المغربية يوم اضطرت لابرام ذلك الاتفاق مثلما اضطرت لابرام اتفاقات مماثلة اخرى مع فرنسا، وفي ظننا ان هذه الحالة انتهت الان ولم يبق مبرر للتنازع على بعض اميال من الرمال ولبقاء جو من التوتر يؤسف له بين المغرب واسبانيا.

على اننا لا ننكر والمغربة لا ينكرون ان اسبانيا اظهرت غاية التفهم للمطالب المغربية وللكفاح التحريري المغربي اثناء المحنة الاخيرة ولا ننسى ان اسبانيا لم تعترف قط بضرعية ولاية السلطان ابن عرفة الذي هو صنيعة فرنسا، وكان زعماء المقاومة المغربية يجتمعون في اسبانيا ويلقون منها الاعانة، وبمجرد اعتراف فرنسا باستقلال المغرب بادرت اسبانيا بالتنازل عن حمايتها للقسم من المغرب الذي كان تابعا لها. وكانت علاقتاتها مع الحركة التحريرية المغربية طيبة وهي حريصة في عدها الحاضر على احترام الشعوب العربية مما اكسبها سمعة حسنة ونفوذا واسع المدى في العالم العربي.

ولقد ضقنا ذرعا منذ سنين بمسلوك فرنسا من حيث اصرارها على التمسك بنزعة تسيطرية اخنى عليها الدهر ولم تبق مستجيبة لمتطلبات العصر فاذا بنا نصطدم بسلوك من قبل اسبانيا تعره ادهى وامر، لانه يتعلق بموضوع اقل اهمية بكثير من موضوع الجزائر، ونحن نعتبر انفسنا اصدقاء لاسبانيا وجيرانا لها ولنا معها مستقبل يبشر بالتعاون المثمر بيننا وبينها. واعتزازا بتلك الصداقة التي نكنها لها نسمح لانفسناا ان نقول لها في صراحة ان هذه المواقف وهذه الاعمال مجلبة للمضرة لانها تضيغ على اسبانيا رصيدا عظيما من الثقة في الامكان ان يتحول الي امور عادية ملموسة على اساس التعاون في ميادين متعددة بما قد يكون خير سند للسلم التي هي ظالتنا جميعا.

 

طي صفحة مؤلمة

وباعتبارنا اشقاء لاخواننا المغاربة واصدقاء لجيراننا الاسبان نتمنى من صميم الفواد ان تزول هذه النزعة الذميمة التي طالت اكثر من اللازم وان تطوى في القريب العاجل صفحة هذه الفترة المؤلمة التي كلما طال بها الزمن ازدادت العلاقات الدولية تعفنا وعسر الرجوع الي ما يدعم روابط الصداقة والتعاون باحترام الشعوب لسيادة بعضها لبعض والتخلي عن مخلفات العهد الاستعماري ورواسبه المادية والادبية.

بيد ان المشكلة الاساسية التي تهمنا قبل كل شيء والتي تبدو فيها النزعة الاستعمارية كاشفة عن وجهها العبوس هي مشكلة الجزائر التي انتهت في هذه الاونة المناقشة في شأنها بالجمعية العمومية، وكادت قضيتها ان تنجح لو لا المناورة التي حدثت أخر لحظة في اللجنة الاساسية حيث ابدلت فقرة في اللائحة ولم تحرز الا على 36 صوتا مقابل 37 بالرفض، ولا نرى فائدة في درس هذا الاقتراح لمنتبين منه الاصوات التي خذلتنا لانه كان يكفي انضمام صوت واحد الينا لكي تنجح اللائحة ولقد كان من الممكن اعادة الاقتراع على اللائحة الافريقية الاسيوية عسيى ان يبدو من الدول التي احتفظت باصواتها من يصوت لفائدة تلك اللائحة فتحظى بالنجاح.

 

وساطة تونس والمغرب

وقد انقضى عام كامل على ذلك الموقف وفرنسا مازالت في انتظار ربع الساعة الاخيرة الذ تؤمل منه ان يرجح الكفة لفائدتها، وفي ظنها ان المسألة لا تخصهل الا هي وحدها، وليس لاحد ان يتدخل فيها. وخلافا لما استقر في ذهنها فان هناك شيئا جديدا حصل في هذا العام، وهو ان اللائحة التي احرزت اجماع الاصوات قد تعرضت للوساطة التي عرضتها تونس والمغرب لفض المشكلة الجزائرية. وانتم تعرفون الاساس الذي بنيت عليه تلك الوساطة. وتدركون معنا ان اخذها بعين الاعتبار انما يتضح منه انجاه هيئة الامم في شأن الحل الذي عرضته فرنسا لما كانت تتعرض بالتاييد الى الوساطة التونسية المغربية. اضف الى ذلك ان القانون الاطاري الذي ينص الفصل الاول منه على ان الجزائر جزء لا يتجزا من فرنسا لم يقع الكلام عنه اصلا باعتباره قد تجاوزته الاحداث. وهذا الاتجاه نعتبره خطوة لا بأس بها وقد يكون لها ما يعدها، ولم يكن لنا مطمح في ان تصدر هيئة الامم المتحدة حكما يقضي باسقلال الجزائر. فلو كان هذا في حيز الامكان اذن لتصورنا ان للمنتظم الدولي جيوشا مستعدة للدخول في صراع مع الجيوش الفرنسية قصد اجلائها عن الجزائر. فهذه امور صبيانية لا تخطر لنا على بال. وانما المهم هو ان المناقشة التي دارت في الجمعية العمومية وما قاله الوفود والضغوط التي سلطت على فرنسا في المعابر وخارج الجلسات كل ذلك لا يخلو من تأثير. وان ما نتوقع حصوله بعد انتهاء المناقشة اهم مما حصل اثناءها.

وما من شك في ان حفلاء فرنسا الذين ايدوها ولم يخذلوها امام هيئة الامم المتحدة وهياوا لها بوقوفهم الى جانبها سبيل الخروج محتفظة بكرامتها سيكون موقفهم ازاءها اكثر فعالية من ذي قبل ويتسنى لهم استغلال الارتياح الذي شعرت به فرنسا وعبر عنه م. بينو اثر الاقتراع على اللائحة. وسيكون ذلك الارتياح وسيلة ثمينة لارجاع فرنسا الى الجادة والى المعقول.

 

حرب الجزائر ينال من الحلف الاطلسي

فاذا تجسمت هاتان الحقيقتان في نظر الشعب الفرنسي وفي نظر المسؤولين الفرنسيين، ونحن نعمل كلنا على تجسيمهما في اقرب وقت ممكن، جاز لنا ان نقول بان الحال يكون ميسورا، وعند ذلك نتخلص من هذه العلة التي نتالم منها وتتالم منها فرنسا نفسها، ويتكدر منها الحلف الاطلسي والعالم الحر وجميع الشعوب التي تؤمن بمبدأ كرامة البشر وحريته وسيادته واحترام البشر بعضه لبعض وفي اعتقادنا ان الاجتماع المقبل للحلف الاطلسي لن يكون اقل فعالية في الاعانة على فض المشكلة الجزائرية من اجتماع هيئة الامم المتحدة نفسها، ولنا اليقين بان اعضاء الحلف الاطلسي ولو انهم صوتوا كلهم لفائدة فرنسا وايدوها بخطبهم وتصريحاتهم العلنية فهم في قرارة انفسهم متضايقون من موقفها من جميع النواحي سواء منها المادية او الادبية او العسكرية وهم عليمون بان استمرار الحرب في الجزائر من شانه ان ينال من الحلف الاطلسي معنويا وعسكريا واقتصاديا وينال من فرنسا نفسها، واذا طالت هذه الحرب ولو سنة اخرى فان ذلك قد يؤول الى ياس شعوب الدنيا من العالم الحر ومن نزاهته وصدقه واخلاصه لمبدأ الحرية.

ولقائل ان يقول ان الجزائر ليس لها من الوزن في نظر تلك الدول التي ستجتمع يو الاثنين المقبل بباريس ما لفرنسا التي هي من الدول الكبرى في اوروبا، هذا صحيح لكن الصحيح ايضا هو انه ثمة شيء اكبر من فرنسا واثقل وزنا منها ومن الحلف الاطلسي نفسه وهذا الشيء هو المباديء التي ترتكز عليها تلك الدول وهي التي جعلت الناس ملتفين حولها، وواضعين ثقفتهم فيها، فاذا عمد هذا المعسكر لدرس تلك المباديء مجاملة لدولة من الدول او مجاراة لسورة من سورات الغضب كانت الطامة الكبرى.

 

امريكا سوف لا تبقى مكتوفة الايدي

على انه لا شيء يدل على ان امريكا ستبقى مكتوفة الايدي دون ان تبدي ضغطا وديا على فرنسا من باب معاتبة الصديق لصديقه، والذي يهمنا ليس نوع الضغط بل تأثيره وفعاليته. وكل ما يمكن ان يؤخذ على امريكا هو مجاملتها في بعض الاحيان لبعض الدول الاستعمارية لكن هذه المجاملة ليست مطردة. فلقد حدث في كثير من الاوقات عندما تكون الامور واضحة والمبادئ جليلة ان اختارت امريكا تاييد المبدا والاخلاص له عن التضامن مع حلفائها. وهذا ما ينبغي لنا تذكره والتنويه به على الاقل لكي نستزيد منه، ففي قضية السويس مثلا لما كان الاعتداء على مصر من طرف فرنسا وانقلترا صارخا كان موقف امريكا لا لبس فيها، حيث وقفت في وجهه دولتين كبيرتين من دول الحلف الاطلسي وابت ان تغفر لهما عدوانهما. ونتحقق ان اثار تلكالصدمة لم تزل الى الان مناذهان الدولتين المعتديتين واخيرا فيما يخص تونس لم يكن من السهل على امريكا ان تمدنا بالسلاح ولو بصورة رمزية من فوق رأس فرنسا، الا ان موقفها في تلك المناسبة يدل على وفائها للمبادئ وعلى استعدادها لان تخذل العدوان والظلم. ومن الخير ان يرتفع صوت عربي مسؤول للاعتراف بهذا الواقع.

 

 

 

 

 

 

 

Laisser un commentaire