عن طريق الجمهورية لرشيد إدريس 1956

فـــي طـــريـــق الجمهـــــــورية

عن رشيـــــــد إدريــــس 1956

 

 كيف وضع حد لسلطات العائلة الحسينية التي امتدت مدة قرنين و نصف من سنة 1705 حيث أعلن حسين ابن على الضابط في وحدة الاحتلال التركية حاكما للبلاد التونسية التي كانت تعتبر من ولايات السلطة العثمانية و أخذت من ذلك التاريخ تندرج إلى الاستقلال  ثم أصيبت بنكبة الحماية الفـــــــــرنسة سنة 1881 إلى أن ألغيت معاهدة بـــــــاردو فــــي 20 مارس 1956. و قد تكون في الأثناء وعي شعبي لم يعد قابلا لهيمنة الباي و العائلة المالكة غير أن  القيادة السياسية انتظرت الفرصة  السانحة لإعلان الجمهورية.

لقد كان مشروع الدستور الذي وزع على أعضاء المجلس التأسيس في بداية أشغاله ينص على أن نظام الدولة نظام ملكية دستورية و لم  تتطور القضية رسميا في المجلس قبل يوم 25 جويلية.

تكونت الدولة التونسية التي تجعل السيادة للشعب في صميم الكفاح،  لقد مهدت لها  ثورات ابن غداهم، و ثورات الساحل، و الحركات الشعبية التي ثرنا فيها على النظام  الاستعماري و انتظمت في حركة الحبيب بورقيبة، حركة الحزب الحر الدستوري الجديد الذي جعل القوة في الشعب و السلطة بيده، و أن الشعب هو الذي  يحرر و يحكم نفسه بنفسه، و إذا كان اليوم زعيمنا و قائد سفينتنا و رئيسنا هو الذي  يباشر قيادة السفينة، و يتقدمنا في الكفاح و الحكم و الدولة، فلأن الشعب بتمامه و كماله يثق به و يطمئن إليه و يأتمر بأوامره لا لأنها أوامر فرد من الأفراد و لكنها أوامر تعبر عن إرادة الشعب و عزمه، تلك الحقيقة هي التي تتضح لنا وهي أن دولتنا هذه التي إذا أعلنا جمهوريتنا اليوم فأننا نقر حقيقة أصبحت  بارزة للعيان منذ زمن بعيد، و منذ الاستقلال بصورة أوضح، و لا أريد أن  أستمر في بيان هذا الرأي حتى أترك المجال لغيري ليتحدثوا عن هاته الفكرة و عن غيرها، إنما أريد أن أستحث زملائي و إخواني على أن يعلونها في هذا اليوم التاريخي ببناء على رغبة الشعب جمهورية واضحة تمهد لقيام حكم دستوري سليم تكون فيه السيادة للشعب كاملة واضحة المعالم، و السلام عليكم و رحمة الله .

عندما أشرت إلى أفضلية الحكم الجمهوري على النظام الملكي غادر سفير المملكة الليبية القاعة احتجاجا و غضبا.

ثم أني في سياق الحديث عن سوء تصرف البايات استثنيت المغفور له محمد المنصف باي الذي ضحى بعرشه في سبيل الشعب.

و توالى الخطباء مؤيدين قيام النظام الجمهوري و أود أن أنوه هنا بمداخلة السيد محمد بدرة الذي طالب المجلس بأن يعتبر محمد المنصف باي من قادة الشعب مؤيدا بذلك ما ذهبت إليه من استثناء ذلك الباي الفاضل من مجموعة البايات.

و في ختام المناقشة جاء دور الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة فألقى خطابا بادر في بدايته برفع الالتباس الذي أحدثه ما ذكرته عن الأنظمة الملكية و كان سببا في خروج سفير المملكة الليبية من القاعة إذ أكد أن نقاشنا يدور حول النظام في تونس و أننا نكن الاحترام للغير.

ثم ذكر أن التغيير الذي كنا بصدده يكتسي صبغة سليمة و أن النظام المقترح ينبغي أن ينبني على قوة  الشعب و السيادة الشعبية و ليست القضية قضية شخصية و لكن تاريخ الدولة الحسينية مليء بالمنازعات و المظالم و استغلال الشعب و أنه لا بد أن يسود الانسجام بين الشعب و بين قيادته.

و تعرض الخطاب لكفاح الشعب التونسي و لتعاون البايات مع الاستعمار الفرنسي     و محاولة استبقاء السلطة الفرنسي على حساب الحكم الوطني.

و مما جاء في هذا الخطاب التاريخي قوله :  » بحيث أن عملنا هذا ليس موجه ضد شخص أو فرد مهما كانت الفظائع التي ارتكبه، و إنما عملنا هذا هو بالواجب و اضطلاع بالمسؤولية، و أنا أعتقد بكل تجرد و نزاهة أن الملوكية الفردي و الدستور مضرة لا يمن  الاطمئنان إليها أو الوثوق بها بينما الجمهورية إذا عرفنا أن نقوم بالواجب تجعل من هذا الوطن جزءا مشاعا كل فرد منا مسؤول عنه و من واجبنا نتكتل و نتضافر و نتحد دائما       و نبدأ في سيرنا بالنظام الجمهوري الذي يرتكز على المبادئ هو الصالح لهذه الأمة، لكن في هذه الفترة التاريخية الحاسمة و بعد إن لهذا الجدال إلى هذه المرتبة، لا يمكن للبشر أن يتخلص تماما أو يتجاهل المبادئ الإنسانية.

أني أعتقد أن هذا العمل العظيم الذي قمنا به، و الذي سيتم بعد حين يجر دموعا        و آلاما، و قد كانت دولة قائمة الذات و ستنهار بجرة قلم لتحل محلها دولة فلا بأس إذن من التعرض لهذه الناحية حتى تعلم الأجيال القادمة أننا لم نعني الاعتبار، و أصارحكم القول   بأني أتأثر أنا شخصيا بهذه الناحية، و أتغلب عليها و أتخذ قراراتي  بحسب المصلحة و أكتب  العواطف التي ربما أشعر بها، و لكن من أن تعلموا أن هذه العواطف موجودة، و هذا يذكرني بأن الدنيا فانية و إذا كانت جديدة قد كانت دولتهم أيضا جديدة في وقت من الأوقات، و قد شاهد حسين يوما كهذا، و احتفل به الشعب، و رفع على الأعناق، و مثله دول أخرى مضت.

و هنا يتبادر لي أنه يمكن للإنسان أن يغتر بالدنيا. و انا شخصا لم يكترث الخطوب و المحن التي لحقت بي في هذا الكفاح و أن نظري أسمى من هذا الأفق فإن هذه السلطة و الحكم لا تغرني و أنا أعرف أنني عابر سبيل، و أن مصيرنا الموت أصلنا من تراب و إليه نعود.

و لم تكن مطالبتي بالإعلان الجمهوري عاملا حاسما و لكنها كانت تعبر عن الرغبة. فقد تقرر اختيار النظام الجمهوري في اجتماع عقده الديوان السياسي الحر الدستوري التونسي يوم 23 جويلية أي قبل  يومين من انعقاد جلسة يعلن فيها عن هذا القرار. و قد كانت الفكرة في الجو منذ أكثر من سنة و قد كان الدستورالشعبي من أشد المتحمسين لها. خطبت في ذلك في الشعب الدستوري.

و كان الديوان السياسي يوم 23 جويلة يتركب من  الرئيس – الباهي الأدغم – المنجي  سليم – على البلهوان – جلول فارس – الهادي المصمودي – الطيب المهيري  – الصادق المقدم – أحمد التليلي –عبد المجيد شاكر – أحمد المستيري –  الفرجاني بن الحاج عمار – الحبيب عاشور.

هؤلاء  الأعضاء انتخبهم مؤتمر  صفاقس (15 نوفمبر 1855) ما عدى شاكر. أسند إليه الديوان السياسي في أوت 1956 إدارة الحزب  و عضويته.

ثم احمد المستيري، الفرجاني بن الحاج عمار، الحبيب عاشور ألحق الديوان السياسي بعضويته في شهر أفريل 1957.

أذكر هذه التركيبة لأن الديوان السياسي كان له القول الفصل في القرار الذي أعطاه المجلس التأسيسي الصبغة الدستورية القانونية.

و قد كنت بقطع النظر عن ذلك القرار السياسي عازما على انتهاز أول فيها مسألة  شكل النظام لأدفع باستقلالية عن اختياري الجمهورية و أن الدستوريين الذين شاركوا في مؤتمر صفاقس اعتبارا للواقعة السياسية و أن يكون نظام الحكم في الدولة التونسية المستقلة نظام ملكية دستورية مع السيادة و للشعب جاء في « لائحة السياسة العامة » التي أقرها مؤتمر صفاقس في اللجنة السياسية التي تشرفت برئاستها و تولى السيد أحمد دريرة مهمة المقدمة التالية : « و يرى (اي المؤتمر) أنه من المحتم إجراء انتخابات ديمقراطية و لمجلس تأسيسي لوضع دستور يضبط نظام الحكم في البلاد على الدستورية و إن الشعب وحده هو مصدر السيادة التي ينوبه فيها برلمان منتخب انتخابا عاما حرا مباشرا على أن يقع التفريق بين السلط الثلاثة التشريعية و القضائية.

بحث في موضوع نظام الدولة في ذلك المؤتمر بحثا سريعا في اللجنة السياسية التي شغلت إلى حد كبير بالوضع العام في البلاد أثر إبرام اتفاقيات الحكم الذاتي لهذه الاتفاقيات لكن وجوب قيام نظام ديمقراطي كان موضوع اتفاق و الملكية الدستورية لم تكن في نظرنا إلا حلا واقعيا يسمح بقيام حكم دستوري على أساس  التفريق بين السلط.

و قد جرت انتخابات عامة للمجلس التأسيسي لها الجبهة القومية بغاية قيام نظام ملكي  دستوري و كانت الجبهة تتألف من مناضلي الحزب الحر الدستوري و المنظمات القومية     و من  المستقلين و كانوا جميعا متفقين للسير في ذلك الإتجاه.

تمت هذه الانتخابات يوم 25 مارس بعد خمسة أيام من إعلان الاستقلال و لم يكن عند الدعوة لانتخاب أعضاء المجلس التأسيس من المتوقع أن يسبق إعلان الاستقلال اجتماع المجلس لكن الأقدار استعجلت الأحداث فأخذت الأوضاع تتطور في البلاد بسرعة و لم يعد دور المجلس محددا  متحول الى  أداة لتجسيم الاستقلال و إعادة تنظيم الدولة المستقلة.

و هكذا صادق المجلس في جلسته المسائية يوم 14 افريل 1956 على الفصل الأول في الدستور :

« تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها و العربي لغتها ».

بعد إعلان الجمهورية أضيفت عبارة و الجمهورية نظامها لهذا الفصل.

قبل إعلان تونس دولة حرة مستقلة بعد انتصاب المجلس التأسيسي و تكوين الحكومة الوطنية في نفس الفترة برئاسة الرئيس بورقيبة تحول مركز الثقل السياسي فلم يعد الباي  مصدر السلطة عمليا و كان للوضع الجديد أثره في تعامل الحكومة الفرنسية مع تونس        و يتجلى ذلك في قضية مصلحة الأمن التي يبدو أن الباي كان يفضل بقاءها أو بقاء جزء منها بيد الفرنسيين و لم تأخذ السلطة الفرنسية برأيه أو رأى حاشيته و سلمت مقاليد الأمن إلى الحكومة التونسية غداة تنصيبها.

و لم يعد للباي نفوذ و أصبح وجوده على رأس الدولة غير متلائم مع التطور التاريخي.

و لم يتحول النظام إلى نظام ملكية دستورية كما أوصى به مؤتمر صفاقس يحتفظ به الباي بمكانه رمزية شرفية كما هو الحال بالنسبة إلى مملكة إنكلترا لأسباب منها :

1.     ارتباط العائلة الحسينية بنظام  الحماية

2.    ضعف الباي محمد أمين الذي أبدى بعض المساندة للحركة الوطنية لأوامر السلطة الفرنسية و موقفه من مسألة  تسليم الجهاز الأمني إلى السلطة الناشئة.

3.    قوة الحكومة الوطنية برئاسة الحبيب بورقيبة وهي منبثقة من حركة متجرة في أعماق البلاد التونسية.

و يبدو لي أن الاختيار الجمهوري استقر في رأي القيادة منذ الأيام الأولى إذ لم يكن هدفا مضرا من قبل.

ليس هناك من وثائق الحزب أو تصريحات زعمائه ما يشير إلى ذلك الدعوة الدستورية لسيادة الشعب و للتفريق بين السلط و قد تبين للجمهورية إثر الاستقلال    و خاصة في الأسابيع الأخيرة التي سبقت إعلان أكن مرتبطا  مباشرة بالتنظيم الحزبي أو بالهيكلة الحكومية و إنما كنت أمثل المجلس التأسيسي و لا أتردد في التعبير بكل حرية عن رأيي.

و في يوم 23 جويلية 1957 اتصلت من السيد جلولي فارس ببرقيتين الأولى موجهة الى جميع النواب تفيد بأن المجلس يعقد جلسة يوم 25 جويلية على الساعة التاسعة صباحا (أرسلت هذه البرقية من باردو 23/4230 على الساعة 11.588).

أما البرقية الثانية فكانت موجهة إلي شخصا من باردو أيضا تحت عدد 4300 على الساعة 17.05، تدعوني للحضور في الغد على الساعة الثامنة صباحا بمكتب الأخ الباهي الأدغم نائب رئيس الحكومة.

حيرتني تلك البرقية الثانية و أرقت ليلتي أرقا شديدا و تساءلت ماذا يريد مني الأخ الباهي الأدغم نائب رئيس الحكومة و الأمين العام للحزب ؟ و هل سيطلب الكلمة في اجتماع   يوم الخميس و قد كثرت تدخلاتي في المجلس لأن بعضها لم يكن في سياق سياسة الحزب…

في الساعة الثامنة كانت المقابلة المفاجأة. فقد اخبرني الأخ الباهي الأدغم ان جلسة يوم الخميس ستتخصص لبحث موضوع إعلان الجمهورية. و أشعرني بأنه يعهد إلي بأخذ  الكلمة في هذا الاجتماع للدفاع عن فكرة الجمهورية ثم أخبرني بأن الأخ أحمد المستيري وزير العدل في انتظاري ليمدني ببعض المعلومات و البيانات في الموضوع.

كان أخذ الكلمة في المجلس آمرا بديهيا بالنسبة إليّ و لم أفهم لماذا رأى نائب رئيس الحكومة و الأمين العام للحزب أن يحضرني على ذلك و يدعمني بما  أحتاجه من وثائق       و بيانات. ألم يكن من الأيسر أن يتولى أحد أعضاء الديوان السياسي أو أحد المتحزبين المقربين القيام بهذه المهنة ! .

الواقع أني كنت في وضع يسمح لي بالجرأة و بالاحتراف إذا اقتضى الحال دون أن يلحق ضررا بالجهاز الرسمي للحزب و للحكومة. ذلك أن المجلس كان يستطيع نظريا ألا يجاري قرار الديوان السياسي بإعلان الجمهورية المتخذ يوم 23 جويلية 1957 لا سيما       و المجلس يضم عددا من المستقبلين. كان لهم إذا أرادوا أن يطيلوا النقاش، و من الأعضاء المنتمين إلى المنظمات القومية كثيرون لا يأمرون مباشرة بأوامر الديوان السياسي.           و استبدل نظام ملكي بنظام جمهوري عمل جريء مهما كانت الظروف التي يتم فيما           و الضمانات المتوفرة لدعاة النظام الجديد.

استقبلني الأخ المستيري وزير العدل بحفاوة و بعد أن تبادلنا الحديث في موضوع زيارتي له ناولني دفترا. أخذت أطالعه ثم نقلت منه ما استطعت و في ذلك تفسير قائمة الهديا و العطايا التي جاءا في خطابي و لم أجد وقتا للتعمق فيها و الانتقاء منها.

و مع بعد الزمن و نضج التفكير و توالي التجارب، أرى أن تلك الحجج التي أسست عليها مطالبي بتغيير نظام الحكم و إعلان الجمهورية لم تكن كلها حججا مقنعة.

كان المجلس مستعدا للاقتناع فأعلن النظام الجمهوري و انطلق ركب الجمهورية يحمل الرئيس الجديد للدولة يجوب شوارع المدينة. بينما اتجه الأستاذ على البهوان المقرر العام للدستور و اصطحب معه مدير الأمن إدريس قيقة و رئيس ديوان عز الدين إدريس       و محافظ العاصمة محمد بن شعبان إلى القصر الملكي بقرطاج و تلا للباي محمد الأمين أخر الحسينيين قرار المجلس و اكتفى الباي بكتابة « باسم الله » على أحد أعمدة القصر عملا باعتقاد عتيق يقضي بعودة من يكتب على العمود أو على الحائط نصف عبارة قرآنية و أخذ الباي في حينه هو عائلته إلى بيت في ضاحية منوبة حيث استقر بايا و لم يعد موضع تقدير  و حتى الفراش الذي منح كان مرتبة على الأرض ثم يتطور وضعه شيئا فشيئا و يفرج عنه ثم يعيش كمواطن عادي لا يكاد أحد يلتف إليه و قد أصبح قصره بيت الحكمة.

إن الله يعز من يشاء و يذل من يشاء و العبرة لمن اعتبر.

و قد دام العهد البورقيبي ثلاثين سنة و حل محله عهد السابع من نوفمبر  بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي.

Laisser un commentaire