مذكرة بورقيبة إلى اللجنة الانجليزية الأمريكية 4 مارس 1946

مذكرة إلى اللجنة الأنقليزية الأمريكية المكلفة بالتحقيق في قضية فلسطين

 

القاهرة 4 مارس 1946

 

قدم وفد عن بلدان شمال افريقيا –ليبيا وتونس والجزائر والمغرب- يتقدمه الرئيس الحبيب بورقيبة إلى اللجنة الأنقليزية الأمريكية المكلفة آنذاك في القاهرة بالتحقيق في قضية فلسطين المذكرة التالية :

أتيح يوم السبت الماضي للممثلين الرسميين للمشرق العربي أن يسمعوا أصواتهم وأن يشرحوا ما لديهم من حجج للإعتراض على الادعاءات الصهيونية بشأن فلسطين العربية.

إن بلدان المغرب العربي، المحرومة من كل تمثيل وطني، ومن جميع الحريات الديمقراطية، والمعزولة عن العالم الخارجي وخاصة عن العالم العربي، بمفعول سياسة محكمة الخطوط ترمي إلى إدماحها قهرا فيما يسمى بالاتحاد الفرنسي، مضطرة إلى التعبير عن وجهة نظرها بواسطة بعض الوطنيين وزعماء الحركات الوطنية، الذين خاطروا بحياتهم واستطاعوا الإفلات من ذلك السجن الكبير الذي آل إليه الشمال الإفريقي، والإلتحاق بإخوانهم في الشرق.

وإزاء ما يبديه قادة فرنسا الجدد من تصلب وتحجر، بعد تبنيهم للسياسة العتيقة القائمة على الحكم المباشر والقمع، أصبحت مهمتنا تتمثل في توسيع جبهة الكفاح الذي نخوضه ضد الاستعمار الفرنسي، وفي ربط قضايا الشمال الإفريقي بقضايا الشرق الأوسط.

ومنذ أثارت قضية « الوطن القومي اليهودي » غضب عرب فلسطين ومناهضتهم للنوايا الاستعمارية الصهيونية لم تنفك الشعوب العربية في الشمال الافريقي تبذل مساندتها لأشقائها بالمشرق في دفاعهم الشرعي.

وهذا التأييد مرجعه إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

1)     تضامن العرب في المشرق والمغرب : وهذا التضامن الراجع عهده إلى ثلاثة عشر قرنا، أساسه وحدة اللغة والدين والمثل العليا. والعالم العربي الذي يمتد من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي بقي طيلة القرون العديدة ضمن امبراطورية واحدة، فقد خضع للخلافة الأموية ثم الخلافة العباسية وأخيرا للخلافة العثمانية. والحواجز المصطنعة التي أقيمت بين أجزائه في عهود الانحطاط من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر لم تنل من إدراك الجماهير لما يربط بين تلك الأقطار من صلة الرحم والانتساب إلى مجموعة بشرية واحدة.

2)     اثر الدعاية الصهيونية في علاقة شعوب المغرب العربي بجاليتها اليهودية : تتألف هذه الجاليات من 250000 نسمة بينما العرب يبلغ مجموعهم نحو 25 مليونا، وهي منحدرة في أغلبها من اليهود الذي قضى عليهم التعسف الديني في أوروبا بالهجرة، أولئك الذين فروا من الإعدام حرقا على يد محاكم الكنيسة الاسبانية في القرن الخامس عشر والقرنين التاليين. ولقد وجدوا لدى عرب المغرب من كرم الوفادة ما سمح لهم بالازدهار والارتقاء إلى أسمى مناصب الدولة وكسب المكانة المرموقة في التجارة والصناعة والفن.

ولنذكر على سبيل المثال أسرة « شمامة » نزيلة البلاد التونسية المتمتعة باحترام الجميع والتي احتل أحد ابنائها قبل الحماية منصب وزير المالية في عهد الباي محمد الصادق.

وفي أيام الدايات بالجزائر ظفرت أسرة « البكري » و « بوزناخت » اليهوديتان بامتياز التجارة الخارجية وكان ما أتته الأسرتان من اختلاس الأموال ومن تدبير المؤامرات سببا في الحادثة التي أودت بعرش الداي وباستقلال الجزائر.

وفي عهد حكومة فيشي، عندما حاق الخطر بيهود افريقيا وباتت أرواحهم ومكاسبهم معرضة للتلف، بمفعول قوانين أوحت بها ألمانيا النازية، فإنهم وجدوا العون والحماية لدى الملكين العربيين في المغرب جلالة سلطان المغرب وسمو باي تونس المنصف.

وقد وفق هذان العاهلان رغم ضآلة السلطة التي أبقاها لهما المقيمان العامان التابعان لحكومة فيشيإلى تجنيب رعاياهما اليهود ما كان يهددهم من كوارث جلى.

وهذا ما جعل الجاليات اليهودية بافريقيا الشمالية لا ينالها إلا القليل من الويلات أيام الاحتلال الألماني.

ومن سوء الحظ أن الدعاية الصهيونية نالت أكبر النيل من هذه العلاقات القديمة. فقد خلقت في أنفس الشبان اليهود عقلية استعمارية قوامها الصلف، واحتقار أهل البلاد والكبرياء العنصري، وجعلت موقف الجاليات اليهودية دقيقا وسط الشعوب العربية بافريقيا الشمالية. فلا يندهش أحد بعد ذلك إذا ما أدى الأمر بتلك الشعوب إلى الاقتناع بأن اليهود عنصر أجنبي داخل الأمة ولا سبيل إلى إدماجه أو الاطمئنان إليه مما يدعو إلى الضرب على يده توقتا من شره. وهكذا فإن الصهيونيين هم الذين جلبوا بذور العنصرية وأقحموها في شعوب ليس في العالم من هو أشد إكراما منها للضيف ولا أكثر سماحة، فهي لم تضطهد اليهود أبدا، بل أكرمت مثواهم وحمت حماهم وبسطت عليهم جناح رعايتها عندما لجؤوا إليها فرارا من الاضطهاد.

ونحن عندما ننظر إلى واقع الشمال الافريقي نرى أن مجرد امتداد الأزمة العربية اليهودية بفلسطين يلحق بيهود المغرب العربي ضررا لا سبيل إلى تلافي آثاره، حيث يقلب حياتهم إلى جحيم وسط الشعوب العربية المحيطة بهم.

3) تشابه الأهداف والوسائل الاستعمارية بفلسطين وبالشمال الافريقي : لم تبرح شعوب المغرب تميز بين الاستعمار اللاتيني –بما له من خصائص هي اغتصاب الأراضي الزراعية ، وتوطين الجيش العرمرم من مزارعيه وموظفيه، والاستحواذ على كافة سلطات الدولة وأهم دواليبها، وكل ذلك يهدف إلى غرض معين هو إدماج الإفراد والإلحاق الترابي- وبين الاستعمار الأنجلوسكسوني الذي يتخذ من الوسائل ما يؤدي – خلافا للأول- إلى رفع مستوى الشعوب المستعمرة ثم إلى استقلالها.

على أن فلسطين هي الوحيدة –من بين بلدان المشرق الخاضعة للحكم البريطاني- التي تمارس فيها وسائل لا تكاد تختلف عن وسائل اللاتينيين في الشمال الافريقي.

وهذه الظاهرة وحدها خلقت بين افريقيا الشمالية وفلسطين تيارا عاطفيا يدعو إلى التأثر الشديد، ووحدة الغاية هي التي تفسر وحدة الوسائل. ففي المغرب العربي وفي فلسطين يدعو الشأن إلى توفير الأسباب من أجل استقدام المهاجرين الأجانب سعيا لقلب التوازن في عدد سكان البلاد. ولئن كانت الغاية في فلسطين هي بعث وطن قومي يهودي فإنها في الشمال الافريقي بعث وطن قومي فرنسي يؤدي إلى جعل البلاد امتدادا لفرنسا. ولكن سعيا من هذا القبيل لا بد أن يصطدم بمقاومة أهل البلد، من ثم تكون الحلقة المفرغة الرهيبة، وهي القمع الذي يغذي الثورة بينما الثورة تحرك آليا دولاب القمع.

وهذا هو سر الاضطرابات التي لا تكاد تخمد نارها حتى تنبعث من جديد، سواء في فلسطين أو في الشمال الافريقي، طيلة الخمسة والعشرين عاما الفاصلة بين الحربين العالميتين والتي لا مفر من تأجج لهيبها، ما دام القوم يصرون على إنكار الواقع الملموس. على أنه لئن كانت فلسطين الواقعة في قلب المشرق العربي لم تنفك تحظى بعطف أجوارها الفعال، فإن الاستعمار الفرنسي استطاع في افريقيا الشمالية أن يمارس أفظع وسائل القمع سعيا للقضاء على كل مقاومة، دون أن يثير استنكار العالم المتمدن.

ونحن نود الاعتقاد بأن هذه الجرائم لن تتجدد، لا سيما وتجربة الحرب العالمية الأخيرة أقامت البرهان على أن منظمة عالمية تلتقي فيها كل الشعوب، وتنهى استغلال الانسان للإنسان،والشعوب الكبيرة للشعوب الصغيرة، هي شرط أساسي للسلام.

إن إعلاء كلمة العقل وتقدم العلم، كل ذلك قضى على الفوارق العنصرية وعلى مظاهر التعصب الديني. والبشرية جنحت إلى التجمع في أمم تمتاز عن بعضها، ويربط بينها التضامن، وتنصهر فيها فوارق اللغة والدين. وبفضل هذا التطور الذي يشرف العقل البشري، فإن الجاليات اليهودية في بعض البلدان الأوروبية، التي تفوق سواها تقدما ورقيا، اندمجت تدريجيا، وانصهرت في البوتقة القومية للوطن الذي اختارته لنفسها فتبناها.

وهذا التطور ينبغي أن يستمر وأن يمتد إلى جميع الأقطار الأوروبية.

والواقع أن هذا التطور نالت منه الأحداث أكبر النيل قبل ظهور هتلر بزمن كبير، عندما حاولت الحركة الصهيونية حمل اليهود في العالم على اعتناق وطنية ذات طابع عنصري أو ديني، فلفتت إليهم الأنظار ثم ارتاب الناس فيهم، وأخيرا تسلط عليهم اضطهاد أقل الشعوب الأوروبية تطورا.

وعليه فإنه يمكن القول بأن ما أتته الصهيونية من شطط وما ذهب إليه أولئك الذين ادعوا أنهم شعب الله المختار، هو الذي تسبب بقسط وافر في ويلات اليهود.

وقد لا يختلف شأنهم عن شأن الزعماء النازيين الذين تغالوا في الطموح وانساقوا مع الخيال إلى إقامة ما أسموه بنظامهم الجديد، فتصدى لهم اعالم المتمدن، ووقف في وجوههم دفاعا عن النفس، فتحملوا بذلك تبعة ما أصاب الشعب الألماني من خسران. وإن لرفض مئات الآلاف من اليهود الأوروبيين العودة إلى بلدانهم الأصلية بعد سقوط هتلر واعتزامهم الهجرة إلى فلسطين مدلوله الواضح، ولكنهم إذ يفرون توقيا من عداوة الشعوب الأوروبية لليهود، فإنهم قيد يثيرون لدى العرب الذين لم يضطهدوهم قط في الماضي، حركة عدائية بحكم الدفاع عن النفس.

إن حل القضية اليهودية ليس في فلسطين، إنه في أوروبا :

إنه في الاعتماد على الرقي البشري كما كان الأمر قبل ظهور الصهيونية. وقد تحدث الناس عن اقتلاع جذور النازية من قلوب الألمانيين ليصبحوا شعبا قادرا على معاشرة الشعوب المتمدنة. ولعل الحاجة تدعو أكثر من ذلك إلى اقتلاع جذور الصهيونية من قلوب اليهود، إذا كانت متجهو إلى تيسير اندماجهم التدريجي في البلدان التي يسستقرون بها.

ويم لا تبقى بعض الشعوب الأوروبية تنظر إلى اليهودي نظرتها إلى عنصر لا سبيل إلى معاشرته أو إدماجه، ويوم تميل بعض الدول الأوروبية إلى معاملة رعايها على قدم المساواة دون ميز عنصري أو ديني عندئذ تكون القضية اليهودية قد ظفرت بالحل.

أما توجية المطامح اليهودية نحو فلسطين التي سوف يذب عنها العرب مهما كان الثمن وبجميع الوسائل، فإنه يخلق موطنا للحرب والفتنة في منطقة ليس أكثر منها حساسية في الشرق الأوسط ويتسبب في مصائب لا حصر لها تلحق يهود العالم بأكمله، أولئك الذين يحيون منذ قرون في أمن وسلام بالبلدان التي آوتهم.

ومما لا ريب فيه أن اليهود الذين يضعون عادة التمسك بالواقع قبل كل اعتبار، يخسرون أكثر مما يغنمون من هذه المغامرة التي لا منفذ لها.

هذا هو رأينا في قضية تلهب عواطف العالم المتمدن وخاصة العرب، بل هي قضية تتوقف عليها الحرب أو السلم في الشرق العربي.

عن وفد بلدان شمال افريقيا

الحبيب بورقيبة

 

سلم هذه المذكرة وفد عن بلدان شمال افريقيا الأربعة يتقدمه الرئيس الحبيب بورقيبة، وهو يتألف من السادة :

-الحبيب بورقيبة

زعيم الحزب الحر الدستوري

نيابة عن تونس

-عمر الغولى الناشر

نيابة عن طرابلس

-الشاذلي المكي

أمين حزب الشعب الجزائري

-أحمد المليح

مندوب حزب الاستقلال المغربي

 

Laisser un commentaire