كلمة النائب علي المرزوقي

مداولات مجلس الأمة

جلسة يوم الجمعة 30 جانفي 1970

 

الكلمة للسيد علي المرزوقي:

السيد علي المرزوقي:

سيدي الرئيس،

حضرات النواب المحترمين :

في نظري ليست هذه المرة الأولى التي تتخلى فيها تونس عن أجزاء من أراضيها لفائدة السلطات الفرنسية التي كانت بالجزائر ولفائدة الجزائر اليوم. فقد وقع مثل هذا الحدث نفسه في عهد أحمد باي الأول عندما تخلى عن منطقة كاملة لفائدة السلطات الجزائرية الفرنسية تسمى بنجد واعتقد أنها الآن في ولاية سوق الأربعاء، ثم لما وقع تحديد الحدود سنة 1901، ومرت الحدود عبر الصحراء فقد تخلت تونس ولم تكن إذ ذاك بمحض إرادتها عن أجزاء هامة من الصحراء ولا يزال حتى الآن شيوخ القبائل في وسط الصحراء يعرفون ذلك جيدا ويعتقدون أنها ملكا من أملاكهم ولما وقف الحد في بئر رومان جنوبا كنا نعتقد أن الحد سيتجه بعد استقلال البلاد وأصبحت تونس تحكم نفسها بنفسها إلى علامة 233 لكن نظرا للمشاكل والأزمات التي وقعت وذكرها تقرير اللجة فقد رأت تونس أن تضحي في سبيل الصداقة وفي سبيل الأخوة وفي سبيل الجوار بجزء نهائي من أراضيها لفائدة الشقيقة الجزائر.  لكن شخصيا نتمنى لو أن إخواننا الجزائريين أنفسهم كانوا تخلوا لنا عن قطعة صغيرة – لا قيمة لها سوى أنها تعز علينا من الناحية التاريخية هذه القطعة هي بئر الارتوازي لأنها البئر الأولى. أما الثانية قد وقع إحداثها في عهد تونس سنة 1963 وحفرة فور كاركي وتصبح تلك المنطقة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 3 كيلومتر تقريبا وقد تخلينا نحن من فرسان إلى ناظور 233 على 45كلم كنا نتمنى أن لو تخلوا لنا عن هذه القطعة لأنه استشهد فيها الكثير من الجنود ومن المواطنين يوم معركة جويلية 1961. شمالها وجنوبها اعتقادا منهم أنهم يدافعون على أرض الوطن. وبكل أسف أن الذين يوجهون بنادقهم وأسلحتهم في ذلك اليوم هي التشكيلات الجزائرية نفسها المنظمة إلى الجيش الفرنسي إذن عندما ينتهي الحد الآن من فورسان وأعتقد أن الغاية بالمكان ابتداء من جدار فورسان فيصبح حدنا حسبما أعتقد من علامة 220 و 13 علامة من علامات الحدود المعترف بها من طرف السلطات التركية إذ ذاك سنة 1910 وعلى الأصح في ماي 1910 كنت أعتقد أن لو تخلوا على هذا الجزء الصغير الذي لا قيمة له وفي الحقيقة أن جميعها لا قيمة لها لحد الآن يكون هناك حقيقة مغربا عربيا وصفاء وإخاء و مودة لأن تلك القطعة وبالنسبة لي شخصيا وأعتقد أني أعبر عن كثير من آراء أبناء الجنوب كأنها انتزعت من قلوبنا أو سلخت من جلودنا فهي عزيزة علينا ولكن في سبيل الصداقة والأخوة وفي سبيل حسن الجوار أبارك هذه الاتفاقية وأتمنى أن يكون الشعب الجزائري في المستوى الذي يكون فيه الشعب التونسي. وشكرا

سيدي الرئيس،

رئيس مجلس الأمة:

الكلمة للسيد دولة الوزير الأول،

كلمة السيد دولة الوزير الأول

حضرة الرئيس المحترم:

حضرات النواب:

لا أظن أن مثل هذا الموضوع في حاجة إلى تحرير وثائق وأوراق لأني أعتقد أن هذه القضية التي كانت عرضت على مجلسكم الموقر للمصادقة على نص اتفاقية ضبط الحدود التونسية الجزائرية هي في الواقع قضية مفروغ منها و متفق عليها منذ زمان على الأقل من الوجهة المعنوية إن لم أقل من الوجهة التشريعية والفنية خصوصا والمواطنون بما فيهم حضرات النواب على علم من أطوار النزاع الذي كان قائما بين تونس والشقيقة الجزائر غداة استقلالها بشأن ضبط الحدود الجنوبية الغربية.

وقد بينا في عديد المناسبات التطورات التي حصلت في الموضوع حتى نزيل الالتباس ونفرق بين الأوضاع التي كانت قائمة الذات زمن الاستعمار عندما كانت هذه المنطقة في تصرف المحتل الأجنبي وبين الأوضاع الناتجة عن استقلال الجزائر و جلاء القوات الأجنبية عن هذه المنطقة بالذات.

أما الحقائق التي ذكرها النائب المحترم السيد علي المرزوقي فهي بالفعل حقائق تاريخية صحيحة إذ ذكر بفترة زمنية وبأطوار تاريخية عشناها جميعا يوم أن كان الشعب التونسي.

يطالب بجلاء القوات الأجنبية عن ترابه و لم تكن تونس في يوم من الأيام مستعدة لتوقيع معاهدة أو خريطة تضبط الحدود الفاصلة بينها و بين الجزائر الفرنسية على غرار ما تم الاتفاق عليه سنة 1955 أو 1956 بين ليبيا المستقلة والحكومة الفرنسية القائمة في حق الجزائري باعتبار أن الجزائر أرض فرنسية بحيث لم يدر بخلدنا الأقدام على أمر من هذا القبيل بل اكتفينا بالمطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن بنزرت وعن الجنوب التونسي ولم نكن نقصد من وراء المعركة التي خضنا غمارها ضد المستعمر الجلاء عن العلامة 233 أو عن نقطة معينة من ترابنا بل الجلاء الشامل عن كامل أرضنا ثم جاء وقف إطلاق النار باتفاق بين الطرفين على أن تعود الحالة إلى ما كانت عليه سواء بالجنوب أو بنزرت.

على أنني أتصور الحساسية والعواطف التي يشعر بها السيد عل المرزوقي وبقية أهالي الجنوب لكني أريد هنا أن أذكر حضرة النائب المحترم بأننا هنا في مجلس الأمة نمثل عموم الشعب التونسي و لا يجوز لنا أن ندافع عن مصالح منطقة معينة و لا أن نراعي مشاعر طبقة خاصة من المواطنين خصوصا وأن محل النزاع لا ينفرد بملكيته قسم معين من المتساكنين على أديم هذه الأرض.

فالمسألة حينئذ أشمل واعم مما يتصورها البعض فإذا استعرضنا الواقع ومختلف تطورات هذه القضية-وهو ما ينتبه مؤخرا باسم الحكومة- استخلصنا أن الأوضاع والمعطيات الناتجة عن استقلال الشقيقة الجزائر قد تغيرت ولم تعد كالتي عرفناها قبل أن تظفر الجزائر باستقلالها.

على أنه من المهم جدا أن تكون للجمهورية التونسية حدود تضبطها اتفاقيات دولية محترمة ولا يخفى عليكم ما لهذا الاحترام من أهمية إلا أن هناك معطيات جديدة لها أهميتها التي قد تفوق أهمية المشكلة الناجمة عن النزاع القائم بشأن الحدود خصوصا إذا اعتبرنا مسألة المصير المشترك وبناء المغرب العربي الكبير إلى غير ذلك من المصالح المشتركة لأننا شعرنا جميعا بأنه بالرغم من ظفرنا باستقلالنا واضطلاعنا بمسؤولياتنا مازالت أمامنا صعوبات تعترض سبيل دعم ذلك الاستقلال و تركيزه و الحفاظ عليه و ربما يتطلب أمننا نفسه و الاستقرار الذي ننشده أيضا أن يكون المحيط الذي نعيش فيه خاليا من كل ريبة وباعثا على الاطمئنان. وبعبارة أوضح فإن تونس يلزم لكي تستقر أمورها و تحظى بالقوة و المناعة أن تكون علاقاتها مع جيرانها طيبة تتجاوز نطاق حسن الجوار لتكتسي معاني الأخوة و الثقة المتبادلة التي تطمئن إليها النفوس.

هذا شرط أساسي يلزم توفره إذا أردنا أن نضمن لكياننا الذاتي الاستقرار والازدهار وليس من المعقول ولا من الصالح بأي حال من الأحوال أن تعيش تونس أو المغرب أو الجزائر في حالة تحفظ أو احتراز و تنظر إحداها للأخرى نظرة حيطة و حذر هذا فضلا عن أن يفضى بهم هذا الحذر المتبادل إلى الدخول في سباق مستمر في ميدان التسلح أو أن تظل علاقاتها في تأزم و توتر قد يؤولان إلى الالتجاء للقوة و العنف وإراقة الدماء.

هذا الأمر الأساسي يطغى على كل اعتبار آخر إذا أو بقي الوضع القديم قائما لما أمكن استغلال إمكانيات حيوية واسعة في مجال التعاون الاقتصادي ودعم المجهود القومي و مخططات التنمية الخاصة بكل منا بل لكان مال تلكم  الإمكانيات أن تبقى عبارة عن مجرد خيالات أو حبرا على ورق.

على أن النزاع الذي كان قائما بيننا ولو أنه لم يصطبغ في أي وقت من الأوقات بلون من الحدة إلا أن مجرد وجوده من شأنه أن يثقل العلاقات بين البلدين ويكدر صفاء الأجواء بيننا وبين إخواننا الجزائريين و لا يدعنا نتفرغ إلى الأعمال الإيجابية وإلى ربط صلات التعاون المثمر التي تعين على المزيد من الازدهار لنا ولجارتنا.

وإلى جانب الناحية السلبية هناك الناحية العاطفية التي نقدرها حق قدرها وهذه الناحية تذكرنا بمن استشهد من إخواننا المناضلين و تذكرنا بالحقوق التي لهم علينا لكن بالنظر إلى الإمكانيات الأخرى التي تفتحت في وجوهنا يبدو لنا أن التضحية ببعض الحقوق هي أهون علينا من البقاء في وضع لا يضمن لتونس التفرغ لا عمالها الإنشائية الجسيمة من أجل الازدهار ولا تضمن للجزائر كذلك نفس التفرغ الذي لا يكون إلا وليد الهناء و راحة البال.

ثم إن الحذر المتبادل قد يؤول بكل واحد منا إلى الانحياز إلى جانب دولي يرى فيه إمكان التخفيف عليه من الضغط الذي يشعر به و هذا الانحياز لا يخلو من التبعية بوجه من الوجوه أما في صورة تزويد بالأسلحة أو في صورة تعاون في الظاهر هو تدخل في الواقع ولكنا قد شعرنا بسوء وقع هذه المحذورات و كان المجاهد الأكبر أول من فكر في هذا الوضع وأول من سعى إلى حسم الخلاف وذلك بأن قارن بني التنازل عن بضعة أشبار من الأرض وبين الإمكانيات الجديدة والنواحي الإيجابية التي من شأنها أن تتفتح آفاقها بين البلدين فكانت نتيجة هذه المقارنة تفادي النواحي السلبية و التغلب عليها من أجل تحقيق آمال أهم و أعظم من شأنها أن تدعم التعاون بين الجانبين و تهب القوة للجميع و هذا ما جعله يعيد النظر في الموضوع ويقول أن ما كان يطالب به في مسألة الحدود لم يبق له موجب و يعتبر كان المطالبة لم تكون ويرى بعكس ذلك أن الخير كل الخير في إلغاء هذه المطالبة وأني و إن كنت لا أقصد الدخول في التفاصيل و الجزئيات ولا أن أفتح باب المناقشة في قضية استغرقت عدة شهور في الحث والاستقصاء أعلمكم أن ثمة لجان هي الآن بصدر تسجيل الحد على العين لكنكم تعلمون أن ثمة عوامل أخرى لا يسعني إلا أن أعرج عليها وإن كان لها اتصال بالأمور المادية التي بودي أن لا أتحدث عنها.

ذلك أن الثروة التي نحن الآن بصدد استغلالها في هذه المناطق البترولية نرى من الفائدة أن نفض على الأقل مشكلتها و نعرف حدودها بالضبط حتى لا نقع في نزاع جديد عندما يعن لنا أن نحفر بئرا هنا أو هناك من مشمولات تلك المنطقة و ما دامت حدودها غير مضبوطة فلا الجزائريون ولا نحن بقادرين على استغلال الثروة البترولية التي تنطوي عليها المنطقة.

إلى هذه الدرجة من السلبية وصل بنا الوضع القديم و اليوم وقد فضت المشكلة أو في طريقها إلى الفض فإن أبناء الجنوب معتزون بذلك البترول مثلما كانوا معتزين بالخيال الذي تصوره لهم قارة الهامل و يهمهم اليوم الحفاظ على تلك الثروة و استغلالها والانتفاع بها وبدون أن ننكر النواحي المعنوية للقضية و ما خلفته المعركة في نفوسهم من موجبات الحرص على استبقاء ذلك التراث الذي جاهدوا من أجله فإن الجانب المادي للقضية لا يمكن أن يبرح عن أذهانهم فثمة مصلحة حيوية و الحالة ما ذكر في أن يكون الحد واضحا وإذا كان الحد المزمع إقراره من شانه أو يوفر لنا عشرة أبار جديدة من البترول فأن النازل عن بئر الماء الموجودة في فورسان يكون من أسهل السهل أما فيما يخص « البراكة » التي أعرفها شخصيا كما يعرفها السيد علي المرزوقي فقد كنا تخاصمنا في شأنها مع سفير فرنسا مسيو قرس و ظفرنا بها لأننا نعتبرها من توابع فورسان وهذا الحصن باق على حاله يرفرف عليه العلم التونسي إلى الآن ولم نتنازل عنه و لا عن توابعه في أي  وقت من الأوقات، بقيت مسألة هذه البراكة قائمة بيننا و يحق لنا أن نتساءل أيهما خير هل بقاء الأمور مرمرمة أم قيام الحد بيننا وفق خط مستقيم و نكون بذلك قد انتهينا من موضوع البرمة و من موضوع دخله بن يغرم و بئر الكلب و القاطرية التي نعرفها كما يعرفها السيد علي المرزوقي معاينة و بوقع أقدامنا عليها لا من مجرد الخريطة.

فإذا ضبطت هذه المناطق انتهت المشاكل وزال ما كان يساورنا من القلق من جراء دخول بعض أهل سوف أو غيرهم للمنطقة التي يمر منها البترول الجزائري.

و ما قيمة تلك البراكة إزاء ما يترتب من الفوائد عن ضبط الأمور وزوال آخر أثر للبس و الغموض و نفس اللغة التي سمعتها من المجاهد الأكبر سمعتها أيضا من سيادة الرئيس هواري بومدين عندما ذهبنا لمقابلته فلقد بسطنا عليه حرفيا نفس العبارات التي صدرت عن الرئيس الحبيب بورقيبة في هذا الموضوع وقلنا له أن الرئيس قال أنه مستعد لأن يراهن على المستقبل و قابل للسير في هذا الاتجاه وأنه يؤثر دائما الأهم على المهم، فكان جواب الرئيس هوارى يومدين أنه ليس من فائدتنا أن ندخل فيما يشبه المماكسات واستعمل في هذا الصدد لفظة مطروقة في اللسان الدارج التونسي و الجزائري وهي لفظة  » التقديش » و أعاد نفس هذا التصريح بنفس  لفظة على مسامع حضرة رئيس مجلس الأمة المحترم عندما تقابلا في الرباط.

كل هذا نتيجة تحكيم العقل وإذا نحن تمادينا في الاحتكام إلى العقل سهل أمامنا كل عسير، ففي خصوص الحد إذا أريد أن يكون وفق خط مستقيم كان لزاما أن ينطلق من بئر الرومان إلى التخوم الليبية باعتبار أن أقصى مركز من مراكزنا هو فورسان الذي يحمل اسم المقيم الفرنسي بتونس سابقا « لسيان سان » وهو بطبيعة الحال النقطة الفاصلة من بئر الرومان إلى بئر الكلب خط مستقيم وهذا خير لنا جميعا و به يزول كل أشكال يمكن أن يثور في المستقبل ذلك أن الخط المستقيم من شأنه أن يفصل كافة النزاعات.

والدليل على ذلك هو أنه بمجرد ما أقيم هذا الخط المستقيم المتعلق بالبرمة من الجهة الأخرى و من هذه الجهة فرح الناس و استبشروا و ذبحوا الذبائح لأنهم أيقنوا بأننا أو يظهر لنا أن نحفر بئرا أو يحفروا هم بئرا من الجهة الأخرى لن يقع بيننا نزاع و أن مجرد الإعلان عن هذا الخط كفى لأن يكون له مفعول في النفوس فكيف به إذا تم إنجازه على العين وبرز للعيان في صورة ملموسة لا كما كان نجرد خيال و بإمكاننا أن نتصور المغانم الكثيرة التي نجنيها م ضبط الأمور على أساس الوضوح و التي ليس أقلها منزلة استغناءنا على المصاريف التي ننفقها على كتائب من جيوشنا مازالت مرابطة في تلكم الجهات وهذا يعرفه السيد علي المرزوقي ولم تبق لنا فائدة في الأخذ و الرد وفي التجاذب و التدافع وفي الحذر المتبادل و ينبغي أن يزول ما كان يساورنا من التفكير في مشكلة الحدود و نعتبر أن هذا الموضوع انتهى وبوسعنا أن نقول أن فض هذا المشكل من شأنه أن يعود بالفائدة العاجلة على نظامنا و على جهاز الدفاع على البترول و على غير ذلك من الشؤون التي تهمنا أعني استغلال هذه المنطقة في القطاع السياحي.

ثم إن هناك فوائد أخرى أبعد مدى و أكثر أهمية وهو ما حدا بالمجاهد الأكبر إلى التفكير منذ السنوات في حل هذه المشكلة إذ كلكم يعلم ما كانت عليه العلاقات المغربية الجزائرية قبل أن يطرأ عليها التحسن الذي نلاحظه الآن و تذكرون كذلك الزيارة التي قمنا بها إلى الجزائر ثم إلى الرباط و الاتصال الذي أجراه آنذاك المجاهد الأكبر مع ملك المغرب عندما كانت الجفوة قائمة الذات بين الجزائر و المغرب فكنتم ترون التسابق بين الطرفين إلى بناء المطارات و جلب الأسلحة و المصفحات و اقتراض الديون و السلفات.

و عملا بما اتصف به المجاهد الأكبر من حصافة الرأي وبعد النظر قررت الحكومة التونسية سبق الأحداث و الشروع في حل المشكل الذي كان قائما بين تونس و الجزائر على أساس التخلي عن أربعة أشبار من الأرض خالية من السكان قد لا يكون له أية قيمة نظرا لما سينجر عن فض مشكلتها من الفوائد الجمة و من تشجيع لإخواننا الجزائريين والمغاربة و بقية الأفارقة الحديثي العهد بالاستقلال على حل المشاكل الجسيمة القائمة بينهم بشأن الحدود.

بحيث لا يخفى على حضراتكم ما لهذه البادرة الطيبة من مدى بعيد جدا إذ لا يمكن أن ننظر إلى هذه البادرة بمنظرا الفوائد القومية الإقليمية الضيقة التي قد تنجر عنها بل بما هو أهم من ذلك بكثير لأننا عندما نتوصل إلى إرجاع السلم إلى نصابها بالمغرب العربي و زرع بذور الثقة في  النفوس لمدة عشرين سنة تكون قد كسبنا معركة التخلف الذي لا يمكننا التغلب عليه بدون هذه الطريقة وهي طريقة المجاهد الأكبر الذي يفضل رصد جل موارد البلاد لمقاومة التخلف التنمية و الازدهار عوض التكالب على التسلح وبذل المليارات المقترضة من الغير في غالب الأحيان في اقتناء الأسلحة وأخذ الحيطة من الجار بقطع النظر عما ينجر عن ذلك من تدخل أجنبي و تبعية للغير دون اطمئنان على المستقبل و لا على المصير و لأجل لا يعلم غايته إلا الله.

بحيث لا يستفيد من وضع كهذا إلا الاستعمار المقنع و التدخل الأجنبي و لن تقوم لنا بعد ذلك قائمة و الحال أننا كنا قبل الاستقلال و ما بالعهد من قدم نتغنى بالمغرب العربي الكبير و بالتضامن و بوحدة النضال و المصير فسيؤول الأمر أمام التاريخ و الأجيال الصاعدة إلى أن أولائك الذين فتحوا باب تحرير الشعوب و استقلال الأمم بإفريقيا يعجزون اليوم على توحيد كلمتهم وحسم خلافاتهم فيما بينهم فتلك هي المعرة التي سوف تبقى و التي فكر المجاهد الأكبر في نتائجها الوخيمة وأقدم على حل المشكلة بعد أن أعترف له أحد الإخوان من الطرف المقابل بأنه هو الرجل الوحيد الذي مكنه بفضل ما يتمتع به من نفوذ أبدى أن يتجاوز بعض الأمور وان يتنازل عن بعض الأشياء الأمر الذي يعسر على غيره القيام به في الوقت الحاضر وأنه في إمكانه مثلما فتح باب النضال أن يتوج هذا النضال بشيء من الترفع و البذل و أن يفرض على التاريخ الحلول من شأنها أن تضمن تظافر الجهود و أن تدعم صرح المغرب العربي الكبير.

وبالفعل أقدم المجاهد الأكبر على سلوك هذه الطريق غير به بما قد ينجر في المستقبل عن هذا التنازل من تعاليق و عن هذا التجاوز عن أمور تبدو بسيطة إلا أنها كلفتنا التضحية بأشياء مادية ذات بال من تبعات رائدة في ذلك أن التاريخ و الأجيال الصاعدة سوف لا تطالبنا بمعرفة ظروف المعارك التي دارت هناك و إن كان من الضروري معرفة المناضل مصباح الجربوع رحمه الله و أمثاله كثيرون بل ستطالبنا بمعرفة منطلق المغرب العربي الكبير الذي سوف يحقق الازدهار و الرفاهية و بالإحاطة بجميع الظروف والملابسات التي حامت حول تكوين هذا المغرب و بالتاريخ الصحيح لبعثه.

فعلى التلميذ أو الشاب بجميع أقطار المغرب العربي أن يكون في المستقبل واعيا للمعاني السامية و البعيدة الناتجة عن هذا الحدث التاريخي العظيم الذي يرجع الفضل فيه لتظافر جهود الجميع و خصوصا لحصافة رأي المجاهد الأكبر و إقدامه وهو بدون شك ما سيسجله له التاريخ.

هذا باختصار ما أردت إحاطتكم به علما في هذه المناسبة و لمجلسكم الموقر الكلمة الحاسمة التي ستكون بحول الله مطابقة تماما لنظرية المجاهد الأكبر و مؤيدة لما تم الاتفاق عليه بتوجيه منه بين الحكومتين التونسية و الجزائرية.

و السلام عليكم.

 

Laisser un commentaire